أناشــــيد التعـــب

 


إذ أحببت الحياة وأيقنتَ بأن الحياة تستحق أن «تُعشق» ولا بد أن تقوم فلسفتها على مقولات وأفعالٍ تُضيء مدارات خصبها, مقولات تبدو في أول تجلياتها وكأنّها أناشيد التعب.. أوربّما تباشير من ذاك الصبح..
وكأنّها تُشكّل لوحات جميلة محفورة بريشة الصبرِ الحالم..
«حضاراتها تُسمّى أغنيات المواسم المعطاءة» ونداءات من مستغيثٍ رقَّ جسده النحيل من ثقل الجهدِ..
«رقَّ» كالحضارات يرويها ذاك الرجل الذي يحملُ معول الحياة..
ذلك المعول وفي يده الأخرى يحمل إشراقة الشّمس وفلسفات لاتنتهي من الكفاحِ..
يحملُ وهج الصبح إذ هجر وقت راحته وقام, يُهدي الفجرَ أولى قبلات المحبة, إن أورقت فعلاً يُحتذى بها, وأينعَ العمل جوهر يجدد كلّ شيءٍ, ويجعله أجمل.. يجعله منحوتة على جدار الزمان, على جدار الوقت..
فكلُ يمتلك معوله وريشته الخاصة به, كُلُّ ينادي من موقعه ويعمل, وينجز أحسن مايستطيع انجازه, ينجز أشياءً تملأُ الساح والوادي بماءٍ منهمر العطايا, وبخصبٍ نحتاجه في كلّ حينٍ وآنٍ..
نحتاج أن تورق ظلاله, وتتمدد أفياءه..
نحتاج ألاّ نقف عند شهقة وجعٍ أوتعبٍ..
فنحن السائرون على دروب تعبّدت بدماء وأفعال هؤلاء الذين اختاروا العمل شعلةً وضاءةً, اختاروا جوازم أمره لعملهم الأرقى, فكانوا الأصوات المحقة إذ تعالى نطقها, تعالى وقت الإنشاد بهم..
وكانوا صوت الأقوياء في زمن الضعف, كانوا العبارة المكتوبة التي تقول, لا حياة ولا ارتقاء إلاّ بالعمل.. لا حياة إلاّ عندما تُختصر بالأفعالِ جميع المقولات, ولا تجدد إلاّ عندما ننظر في عيني عجوزِ يحمل ثقل وأوجاع السنين, ويحمل معوله ويطرقُ على بوابات كُلّ الأزمنة..
يطرقُها محبةً وألفةً.. يُطرقُ روايات أخرى كُتبَ أن لا يُهزم أبطالها, كُتبَ وميضُ الإنشادِ بذاك الإزميل ُ الذي لا نملك إلاّ هو.. نملكُ وهجه إن أينعت شجيرات الحياة به وبنا, نملكُ السواعد التي تتحوّل إلى مطرٍ هاطل, وينابيع وافرة العطاء, وافرة الحياة بلغتها المجازية التي نريدها, ولانريد سواها..
نريدُ أن تخضر الأماني ولكن بعد أن نجيدَ فنون صنع خبزها, وأرغفة الأيام الدامغة الحال, بعرق الترحال وعطره الأشهى..
«عطرها الأنقى» إذ يبدوعلى جبين الأيام.. على جبين من يُنشد العزم, وما هو العزم إلاّ لمن يعتزم عليه قولاً وفعلاً ؟..
وما هوإلاّ لأهل القوة, أقوياء الفعل الجازم حتى تظهر تباريح الحلم الأجمل.. تباريح الوقت المُتعب, الوقت المُتعب ظلماً وبذاك الصوت الجهوري الخافت الذي يقول: نريدُ الآجر على قدر العمل.. ولا نريد أن يذهب الدم والعرق هباءً منثوراً..
«فنحن العزم, وسواعدنا لطالما نطقتْ بأفعالٍ, لوتعاقبَ ليلها ونهارها لقامَ السرمد بكل ولغته وحياها, وباركَ مسعاها, وبارك جهد العامل والمقولات التي تشجع على إعطائه حقه قبل أن يجفُّ عرقه»..
وعلى إحياء عيده, إحياء الشيء الذي يُجدد عزمه, يُجدد وريقات أشجاره الذابلة ظُلماً ربّما..
«والوارفة مقولات تختصر سرّ الحياة».. إذ تسامى القول الناطق «حيّ على العمل.. حيّ على الانجاز» على الارتقاءِ, حيّ على كلّ شيءٍ يجعلنا فاعلين في هذه الحياة ومنفعلين بها حدّ الارتقاء الأعظم الذي ننشده جميعاً..
كل عام وهم بألف خير.. كل عام وهم عنوان الخير الآتي والباقي..

منال محمد يوسف

التاريخ: الثلاثاء 30-4-2019
رقم العدد : 16967