خارج السياق.. البحـــــــث عــــــــــن بلاغــــــــة الفعــــــل

لم يكن عبثا أن قيل في البدء كانت الكلمة ومن الكلمة (كن فيكون) اللغة فعل الوجود الأول, وهي المتحقق المنجز الذي يصب من العقل والإرادة ليكون واقعا, وهذا ما يشكل الرسالة بين البشر, وبصيغة أخرى الخطاب كما يتم تداوله الآن, ولايمكن لثمرات العقول تلقيا وإرسالا أن تعرف إلا من خلال الخطاب الذي هو الآن موضوع العلوم كافة, في علم النفس والتربية والإعلام الذي أصبح شاملا لكل شيء.
الخطاب الفكري والسياسي والعلمي والاجتماعي, وبمقدار ما يكون الخطاب قادرا على الإحاطة والتكثيف ومستندا على حقائق الحياة مدعوما بما ينفذه مطلقه على الأرض تكون بلاغته، فالبلاغة لم تعد في الإيجاز وكفى, لا, بل غدت في تطابق الوعود مع ما يمكن إنجازه على ارض الواقع, فالهذر اللغوي والخطابات الطنانة الرنانة التي تبدو كأنها سراب وغيوم بلا مطر, هي في المحصلة ثرثرة قاتلة, تبدو نتائجها على الأرض حسب مطلقها، فالخطاب يعبر عمن يطلقه, يحمل رسائل ومضامين يراد منها أن تصل إلى الآخر المخاطب, سلبا أم إيجابا, ومن ثم ننتظر حصاد هذه الرسائل, بالتأكيد ليس الحصاد سريعا بين ليلة وضحاها, ولا هو شيء مادي ملموس فورا, هو تحولات كبرى في سلم القيم الاجتماعية والثقافية والفكرية, هو (الحصاد) بناء معرفي يتراكم, منه بناء الهوية الاجتماعية والوطنية والثقافية والقدرة على بناء الثقة وتعزيزها في العقد الاجتماعي.
والخطاب ليس بالضرورة أن يكون من جهة واحدة, لا, ولكن على الاقل يجب أن يحمل للمجتمع الكثير مما تتقاطع عنده الرؤى والاستراتيجيات الاجتماعية, بغض النظر عن الجهات المصدرة له, فلا يجوز أن يكون اي خطاب يدعي الوطنية محرضا على لون من الاحقاد والضغينة, ولايجوز أن يحمل في طياته الهذر الذي لايثمر ويبقى وعودا وليس خطابات, وقد تنبه العرب القدماء لهذا المعنى حين وصفوا من يعد ولايفي فقالوا (مواعيد عرقوب لها مثلا).
ما يدعونا للحديث عن الخطاب, واقع مؤلم كارثي نراه كل يوم, يتجسد في عدم وضوح الرؤى والافكار والخطط, ومع ذلك ينبري الكثيرون للاستعراض أمام وسائل الإعلام وكأنهم فعلا في مهرجان لإطلاق وعود تسفوها الريح, لا ندري ما السبب؟ هل هو الإعلام الذي غدا صانعا للحدث ومحركا له, ولكن أحيانا كثيرة يكون وهما, ولاقيمة له, أم انها الرغبة في الظهور وكما لو أن المثل الشامي القائل (ما احلى الإمارة لو على كومة حجارة) كأنه صار واقعا؟
نعم نميل إلى تضخم الذات والتعويض الذي يظن الكثيرون من ممارسي البلاغة البلهاء أنه يعوضهم عن الفعل,صحيح أن الإعلام صانع للحدث وهو المرآة التي لم تعد تعكس الحال الصحيح, ولكن الأصح ان الجمهور مازال يمتلك وعيا نقديا حقيقيا, يجب ان يراعى, فالخطاب الوعد يجب أن يقترن بفعل إنجاز على الأرض وكم هو جميل أن يكون بعد الإنجاز لاقبله ولكن الملاحظ ثمة خطابات باتت كأنها تسويف كلما اقترب استحقاق ثمارها على الأرض يقفز مطلقوها إلى مساحات أخرى يفرون من الوعد إلى إطلاق وعود أخرى وهكذا دواليك، كلما اقترب استحقاق يهربون إلى آخر لعله ينسينا ما تم إطلاقه سابقا.
يروى أن اديبا عالميا كتب لصديقه رسالة بعشرات الصفحات, وختمها قائلا: لو لم أكن مستعجلا لاختزلت الرسالة, نعم حقيقة لاريب و فيها العجلة لا تعمل العقل ولا تقدم رؤى واضحة, تحوطها غمامة من الضباب, وهذه هي حال من لايضبط إيقاع الخطاب, وليس همه إلا أن يكون موجودا على الشاشات وبهرجة الإعلام, في الثقافة والاجتماع والعمل الانساني, وليس في حقل واحد من حقول الحياة, ما احوجنا أن نكون كمقاتل يعرف أن اللحظة التي يضغط فيها على الزناد هي التي تعني اصطياد العدو, لا صهيل الوعود, وكان شاعر عربي مقاتل قال ذات يوم: خلق الحزم ابكما...وإلى ان نعي أن الفعل بلاغة أهم من الهذر اللغوي..سنبقى في دوامة: كنا, وسنكون, وسنعمل ولكن ماذا عن لحظة الفعل الآن..الفعل الذي يؤسس للغد؟ يسمعني حين يراقصني كلمات ليست كالكلمات, وحين اعود إلى طاولتي لاشيء سوى الكلمات.
ديب علي حسن
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
التاريخ: الخميس 16-5-2019
رقم العدد : 16979