خديجـة بـدور.. هواجــس أنثــى في روايتها الجديدة


«تعصف بي هواجسي, وتتحرك آلام روحي لتقبض على حنجرتي إلى درجة الاختناق فألجأ إلى والدي, أسند رأسي على كتفه وأنفض عني كل هموم الدنيا» بهذه الكلمات بدأت عملها الإبداعي رواية «لعنة حلم» الروائية خديجة بدور، لتختصر احساس كل فتاة، فالأب هو رفيق الروح والصديق، ليرافق الاب البطلة بأغلب أحداث العمل الروائي.
بأسلوبها السلس الرشيق الذي يصل لكل قارئ, أبدعت «بدور» في الوصف والتفصيل حتى يخال للقارئ أنه يشاهد مسلسلاً تلفزيونياً, قد أبدع مخرجه في الغوص في تفاصيل المكان، فتتناول الكاتبة العديد من القضايا التي تضج روحها بها وتؤرقها، فتعتمد الكاتبة أسلوب الخطف خلفاً, لتجري مقارنة بين الماضي ودفئه، حيث اجتماع العائلة ممزوجا بحنين مؤلم لتلك الأيام..
فكان الأب العجوز مع آلامه الناتجة عن تعب سنين أرهقته وأنهكت جسده الضعيف القلب النابض في القصة، فلا يزال يحمل بقلبه مع كل أبناء جيله بساطة الريف وطيبتها والصدق والعفوية، ويحمل بقلبه وروحه ذاكرة سنين خلت، ليكون مادة دسمة لعملها الروائي فيعود بالذاكرة لأيام شبابه, حيث كان بطلاً وفارساً يبرع بركوب الخيل, وتتناول الكاتبة على لسان العجوز تردي القيم والأخلاق ومقارنة الماضي مع الحاضر، وكيف تطَّبع أهل الريف بطباع أهل المدينة فتقاعسوا عن خدمتها حتى تخال قرى الريف مدناً صغيرة..
وتحدثت عن العادات والتقاليد التي تلزم الفتاة بالزواج من ابن عمها اذا كان راغباً بها وتفضيله على أي غريب حتى لو كانت راغبه به, ولكن بأسلوب سهل رشيق.
ونلاحظ احترافية الكاتبة في الغوص في أعماق الشخصيات ودراستها دراسة تحليلة ربما هو انعكاس خبرتها التراكمية في علم الاجتماع,وناتج عن ابحاثها في هذا الاتجاه...
حيث تروي على لسان العجوز «سعيد» كم كانت الحياة بسيطة حيث إنه استطاع أن يسترد ابنة عمه «مريم» من الغريب الخاطب، ليتزوجها ويذهب بها إلى المدينة فيسكنان بسكن مشترك ضمن غرفة واحدة، وينجبا ابنتهما «عبير», فتصور الكاتبة حالة الفقر الشديد الذي كان يعيشه سابقا أهالي الريف, الذي نتج عنه سقوط السقف المتداعي نتيجة العاصفة فتموت والدة مريم وأختاها..
وقد أشارت الكاتبة بأكثر من مكان لقدسية الحبّ في ذلك الزمن حيث لا يبوح العاشق بغرامه حتى لمحبوبته، وتجري الكاتبة مقاربة بين ابن الريف العاشق للحرية دون القيود التي تفرضها الحياة العسكرية...
وتتناول ما نعانيه من ازدواجية التفكير لدى الرجل الشرقي مهما علت مراتبه وتحرر نراه في مكان ما تصحو شرقيته فتكون المرأة المتحررة هي الخليلة والصاحبة حتى لو أحبها، بينما يبحث عن فتاة محافظة ليضعها في منزله تنجب له الأولاد وتعتني بهم بينما لا يوفر فرصة للهو مع سواها...
وبما أن الرواية اجتماعية الطابع فكان لابد للكاتبة من تناول الرشوة والفساد الاداري، وكيف يمتلك بعض الموجودين في السلطة بالانتهازية المدمرة للبلاد...
وقامت الكاتبة بربط الحب بالفضيلة فقالت: « من لم تؤمن بالحب لا تعرف الفضيلة» بنظرة فلسفية...
وتتطرق لانجرار الشباب نحو الأفكار البراقة التي تبثها بعض الأحزاب بشخصية صديقتها هبة التي تدخلها السجن، لتحرق أجمل أيام حياتها ضمن أحداث متواترة ينتج عنها موت والدتها قهراً على غيابها..
وتشير الرواية إلى تحطيم أحلام البطلة وانهيارها واضمحلالها واستبدال أغلبها «حتى إذ هزمتنا الظروف وبكينا على حلم العمر، ودفناه في ركن معتم من وجداننا، لنتذكره بين حين وآخر بأسف ومرارة...»
لتنام في أحضان الاحلام وتحلم بتحقيقها، ونحن جميعا نسعى لتحقيق احلامنا التي عجزنا عن تحقيقها بأولادنا، وكثيرا ما يخزلنا أولادنا كما حدث مع البطلة..
وتنتهي الرواية بحسها القومي التي تضج به روح كل سوري شريف، لتجري مقاربة بسيطة بين أحلامها التي أرغمتها الظروف على استبدالها, وبين أحلام أطفال غزة التي دفنت قبل نضوجها وهي في مهدها...
وتميزت الرواية باللغة البسيطة البعيدة عن التكلف حتى إنها في بعض المواضع كانت أقرب للغة الشعبية ولكن دون السقوط في هوة الكلام السوقي فبقيت راقية بمفرداتها...

سلوى الديب
التاريخ: الثلاثاء11-6-2019
الرقم: 16997