جماليات المتاهة في كيمياء القصيدة..المشــــهد الشـــــعري العربـــــي بعيــــــون النقـــــد


هل الشعر متاهة واي دهاليز يمكن أن يعبرها المرء وهو يبحث عن كنوز جماله...أسئلة كثيرة لم يكن النقد العربي القديم يطرحها لانه تجمد عند البلاغة اليابسة ومعانيها التي فرطت من كثرة الاستخدام والتكرار وهذا لم يكن ليبقى لفترة طويلة من الزمن نتيجة انفتاح العقل النقدي على جماليات وأساليب اخرى.
وكان هذا ايضا نتيجة تطور العلوم الإنسانية في الغرب وتوظيف العلوم كافة في مضمار النقد من علم النفس إلى الفلسفة وغيرها...بل مضى كثيرون إلى استقدام مصطلحات علمية لتكون في محراب النقد الجديد.
الكتاب المهم جدا الذي نقف عنده اليوم من إصدارات دار التكوين بدمشق جاء تحت عنوان:
جماليات المتاهة قراءات نقدية في الشعر العربي المعاصر لمؤلفه الاستاذ الجامعي والناقد الدكتور عابد إسماعيل..الكتاب سفر رؤيوي في قراءات تناولت اكثر من ٥٠ شاعرا عربيا أثروا المشهد الشعري العربي تناول من الدول العربية كافة ومن الطبيعي أن يكون لسورية النصيب الأكبر في هذه القراءات لان التجربة الشعرية الحداثية أو ما تسمى ما بعد الحداثية تجذرت فيها ووجدت من يعطيها ويسهر عليها.
في كيمياء القصيدة

تحت هذا العنوان تأتي المقدمة الأولى للناقد واللافت كما أسلفنا نقل مصطلح علمي إلى عوالم التنظير النقدي كيمياء وهذه نقلة موفقة لان القصيدة التي يتناولها الناقد هي فعل كيميائي خصب قادر على التفاعل يقول اسماعيل:
لان التيه هو وطن الشاعر بل هويته الوحيدة تتشرد الكلمات في كل درب.لا المعاني تجد مستقرا لها ولا الاستعارات البيضاء تجنح إلى هدوء فاللغة في جوهرها مجازية وهي بالتالي خيانة مستمرة للمعنى تقول الشيء ونقيضه محكومة بالانزياح.
تحاور بريق اختلافها وتناوره في لعبة مرايا لا تنتهي في البدء كانت الكلمة صمتا وكان النطق تعلثما وكان المكان متاها وحين يهتدي الشاعر إلى مفرداته الأولى يعود القهقرى إلى حضن المناخ...نعم تولد القصيدة من رحم الفكرة الأولى ومن اصطدام الوعي بلغز شفائه نتيجة انفصاله عن براءة الروح الكلية تولد لتنطق بأكثر من لسان.
من متاهات الشعراء
لا يستطيع القارىء أن يقدم موجزا شاملا لما كيمياء العابد ولكن كيمياء الفعل الإبداعي السوري يطغى ليكون الاكثر بهاء وحضورا من الأسماء المهمة التي تشكل ثقلا نوعيا في المشهد الشعري السوري نقف عند سامي احمد ادونيس، سنية صالح، صقر عليشي، غادة السمان، عمر ابو ريشة، محمد عضيمة، محمد الماغوط، علي كنعان، نزار قباني، عادل محمود...وغيرهم
سامي احمد
الذي خذلته النجوم
ربما يكون من المناسب أن نقدم ما قاله حول تجارب شعرية مازالت نضرة غضة مع اشتداد عودها وهي الصوت الشعري الجديد والذائقة الجمالية التي تروى من ماء الحياة وسامي احمد واحد من هذه الأصوات التي تعرف كيف تكثف اللغة بل تحيل ماءها ونداها إلى حبات برد تنهمر سريعا ولكنها تحفر مجراها عميقا ينقل اسماعيل عن مزق احمد قوله في ما يشبه الرؤى النقدية.
الشعر هو الهروب الدائم من المدرسة اي الهروب من الوزن والقافية الهروب من الاستعارة..الهروب من قيد الشكل وانساقه اي ان الشعر من هذا المنظور هو فعل تمرد مستمر ضد التقليد أسلوبا ومعنى وتجاوزا لا يتوقف للموروث الأدبي قديما وحديثا.الشعرية بهذا المعنى هي بمثابة تسكع ازلي في براري المخيلة لاتلوي على شيء ولا تدل ربما على شيء سوى على كينونتها البلاغية الخالصة.
ويخلص إلى القول بتجربة سامي احمد
تتجلى شعرية سامي احمد بوجه خاص في الرغبة بتجاوز البعد الفكري والوجودي وحتى الشخصي للخطاب الشعري والانحياز للعبة الرمز ومتاهاته.. يقدم الشاعر إضافة مهمة للغته الشعرية في ديوانه السادس ويبرهن على عشق مستمر دفين وحقيقي لجماليات الرمز.
سنية صالح: ذَهَبُ النهار
لا يدفئ أوهام الجنون
يرى اسماعيل ان في شعر سنية يتفتح ذاك الالم ويورق نضرا مشعا لاذعا, وكما تشير خالدة سعيد شقيقة الشاعرة في تقديمها للأعمال الكاملة التي رأت النور عن طريق وزارة الثقافة السورية عام 2007م, فإن سنية صالح لطالما ربطت ولادتها بخيبة وفقدان, وتروي سعيد في مقدمتها كيف ان سنية كانت قليلة الكلام, حتى سن العاشرة, لكن صمتها لم يكن خاليا أو مقفرا بل صمت من رأى ولم يجد لما رأى تعبيرا, بيد ان سنية سرعان ما تجد لفك عقدة لسانها, وتفوز بجائزة شعرية لأفضل قصيدة عام 1961م بعنوان جسد السماء
عشرون، والهواجس تثقب جدران العروق
عشرون، ننتحب عند أعتاب الحناجر
عشرون، نمخر الأرض
نذهب مع نسغ الشجر
وما من قصيدة تأتي
عشرون سنة نشرب الريح
نقيم في جذور الحنين
وما من قصيدة تأتي
على الأرض البوار
سَفَحنا مياهَ العروق
وما نبتت لنا القصائد
ما من كلمة تُشعِلُ الحرائق.
ويخلص إلى القول: سنية لم يقدر لها أن تأخذ حقها من الدرس والتحليل والنقد, ونشر أعمالها الكاملة يمثل خطوة مهمة في إزاحة الضباب الذي لف حياتها وشعرها.
الكتاب مهم جدا كما اسلفنا وهو فعلا جهد جبار يبني في معمارية النقد الجديد, بقي ان نشير إلى أنه يقع في اكثر من 500 صفحة من القطع الكبير.

دائرة الثقافة
التاريخ: الثلاثاء 11-6-2019
الرقم: 16997