ترجمـــان الأشـــواق.. تـــــلاق أم اختــــــلاف أجيـــــــال..؟



تترك الحروب أثاراً سلبية كثيرة أهمها تشويه القيم والمبادئ وتردي الأخلاق، ولكننا أمام عمل متميز بكل المقاييس ترجمان الأشواق الذي عرض على سورية دراما، يتناول هذا الجانب ويظهر أنه برغم الحرب والموت لا يزال يوجد بعض الناس يحافظون على طهرهم ونقاوتهم وهم عائلات الأبطال الثلاثة في العمل، وهم ثلاثة مثقفين اعتنقوا الفكر اليساري في شبابهم مما جعلهم يعتقلون في التسعينات، ما يدفع البطل نجيب الذي يلعب دوره عباس النوري لمغادرة البلاد والسفر للخارج نتيجة لمجموعة ضغوط منها زوجته التي طلبت الطلاق أثناء وجوده في السجن ثم خلافه معها على حضانة ابنته، حيث لا يعود لسورية إلا بعد اختطاف ابنته من قبل العصابات المسلحة أثناء قيامها بعمل إغاثي وقد أصبحت شابة, لتبدأ رحلة بحثه عنها فيجد نفسه دون شعور يستكشف وطنه ويبحث عنه من خلال مذكرات ابنته التي يرافقه صوتها خلال المسلسل، بأسلوب يبث الحنين في الروح قبل القلب ليدرك متأخرا كم احبته ابنته، حيث عثر على غرفة استأجرتها ابنته لتترك كما هائلا من الذكريات، فيغوص في خصوصيتها ليدرك مقدار حبها وتعلقها به، فنراه يجوب أحياء دمشق القديمة برحلة استكشاف، وهو مسلسل اجتماعي بنكهة بوليسية..
أما الشخصية الثانية فهي كمال صاحب الأفكار اليسارية فايز قزق المتمسك بها مما جلب له الكثير من المتاعب، فيعيش حياة مجون ويمتلك مكتبة ضخمة وقد رأينا شكران مرتجى بدور زوجته ولكن بقالب جديد لتثبت براعتها بكافة الأدوار التي تلعبها، أما الشخصية الثالثة فهي الدكتور زهير الذي يلعب دوره القدير غسان مسعود الذي يتجه نحو التصوف، ويحافظ عل صداقته القديمة لرجال أصبحوا زعماء المعارضة، ليكون حلقة وصل أو حمامة سلام..
وقد تألقت كعادتها والدة نجيب الممثلة القديرة ثراء دبسي بدور الأم فكانت سورية الأم التي تحتضن أولادها وتتحمل الجراح والنكبات ولا تتوقف عن مساعدة ابنائها مهما أساؤوا، وكان للممثلة نوار يوسف بدور شاليمار فتاة الليل الذي لعبت الدور باحترافية عالية وهي الفتاة البعيدة كل البعد عن الثقافة والصديقة المقربة من كمال، التي تسعى للمزيد من العلاقات والمعارف...
فنلاحظ أن المسلسل قدم ثلاثة نماذج متباينة لأصدقاء فرقهم الزمن ليعودوا ويلقوا بهدف إيجاد ابنة نجيب المفقودة فنرى الصوفي المتشدد واليساري المتعنت الغارق في اللهو والمجون والمثقف المشبع بالثقافة، فيظهر المسلسل الهوة الواسعة بين المثقفين وأبنائهم وعدم القدرة على التواصل والتفاهم معهم وتسخيف كل منهما للأخر، ولا ينكر العمل وجود بعض أبناء هذا الجيل الذين استوعبوا فكر الجيل السابق وقدروا ما قام به متجسدا بشخصية «آنا» ابنة نجيب التي قرأت كافة الكتب التي ألفها أو ترجمها والدها...
وقد أبدع الاخراج في إظهار الحنين للوطن بقالب بصري جديد فكان أشبه تصوير حلقات المسلسل بتصوير فلم سينمائي ربما يعود الأمر لخبرة المخرج العالية في الإخراج السينمائي ولبراعة مدير التصوير من خلال تصوير أحياء دمشق من الفضاء بطريقة احترافية بقالب بصري جديد في الدراما السورية، فكان أقرب لفلم سياحي يعرف بالشام وأحيائها، وقد أظهر المسلسل بعض اللقطات التي تصور بطولات الجيش العربي السوري وتضحياته وما يعانيه جنودنا لعودة الأمن والأمان لسورية الحبيبة...
المسلسل من إخراج محمد عبد العزيز وسيناريو وحوار بشار عباس, وشارك في العمل:سلمى المصري وحسام تحسين بيك.
سلوى الديب

 

التاريخ: الجمعة 14-6-2019
رقم العدد : 17000