ورود الحيـــــاة



من ذا الذي لا يعشق لغة الورود؟
ولا يُقدّس عطرها ويقرأ فلسفات ودّها ومُعلّقات أمرها؟
من لا يحبُ السُكنى حيث تيجان وعدها وذاك الصوت إذ ينادي: ومن ذا الذي يزرع لنا «ورود الحياة».. ورود الانتماء لشيءٍ نسموبه, ونرحلُ إلى بساتين لا يزهرُ بها أنين الأيام, وأنين الروايات المكتوبة بمحبرة الأحبة..
وبسؤالٍ هائم الاستغراب اللّفظي: وأين هي الورود هل تيبّسَ بعضها؟
عندما نادت تلك الثُكلى على وردها الضائع أو«طفلها المستشهد».. كانت تعشق الورود بعطرها الجميل, ولكنها لغة الورود تهربُ منها مرة أخرى, تهربُ مسافة فاصلة بين خطيّ الموت والحياة, تهربُ أناشيد تشبه لغة الورود عندما تُختصر بحكاية ما أوبعطرِ ما..
وعندما تسألُ من جديد وأين هي ورود الحياة؟.. أين لغاتها؟.. وإشارات التعجب والاستفهام الخاصة بها؟
لا أعرف عندما قررتُ الكتابة عن الورد رأيتُ الياسمين ينزف بشيءٍ.. أسمى من «دمع الحياة»..
رأيته وقتاً آخر يستريح على ضفتيّ الأيام.. رأيتُ محبرته الأجمل, وقلتُ ما أجمل أن نكتبُ بمحبرة بياضه.. رأيتُ «ورود الحياة» على أضرحة من غابوا.. كانت تلك الورود تُشبه قصائد الزمن ومجدليات صبره, تُشبه مقام التاريخ وإن بعثر ورده على جنبات الضفاف وجمالها المفتون.. تشبه أقاصيص الحبق واخضرار اللون, وقزحيّات تائهة اللون والألوان..
تائهة العطر ربّما, ومن قال بأنّ عطر الأشياء لا يتوه.. وتتوه معه الأماني.. يتوه, فيولدُ عطر الحياة, وأناشيدُ وردها إذ جاءت مُطرّزة الوعد.. وتسامى إذ ذُكر «مقام الوردِ».. وأصحبنا نسألُ عن عشاق يمنحون الورد ماهيّة العطر الحقيقي, يمنحونه بعض دساتير مجده الممجد عطراً والمكتمل قمراً, ولغات ٍ وروايات باسمة العطر..
باسمة الضوء والقصيدة التي تقول: ويا قمر الورود, ويا سؤالها المذبوح من الوريد إلى الوريد إذ يقول: «كنتُ أخجل من نفسي, من جمالي إذ ما أُلقي بي على ضريحٍ يشعُّ منه النور» إذ ما وقعت بيد طفلة صغيرة قالت لي: خُذ أشواقي إلى أبي, خُذ عطر حنيني إلى حيث هو, خُذ عطرك من شوقي إليه, وكُن حمام المحبة إذ تيبّسَ الزمن بنا.. كُن عطر المحبة ولغات تشبه الورود وفلسفاته المشتاقة, ربّما إلى الحياة وإلى ذاك السؤال الاستفهامي الذي يقول: وماذا لوزُرعَ الكون كُلّه بشيءٍ يشبه الورود جمالاً, ويشبه قمره اكتمالاً؟
ماذا لونطق َ الورد بكلامٍ مستوحد العطر, بكلامٍ له مسوّغاته العطريّة ربّما, مسوّغات عزفه الزمانيّ.. وماذا لوظهرت لغات الورد وكأنها تبدومُطّرزة الحال والأحوال مُطرّزة الشوقِ وعبق الانتماء إلى مقامات الحلا الوجودي وترجمان وعده, وما أجمل أن نرتقي إليه, ونرحلُ إلى مقامات عطره الوردي أوعطرنا..
لا ندري؟.. ما أجمل أن نعي ونترجم لغات الوردِ ونكتبها في مداد الصمتِ.. مداد الوقتِ أوالشعرِ.. ما أجمل أن نستلهم رقتّه, وعطره وعظمته؟.. ما أجمل أن نسقيه بضحكات قلوبنا المجروحة.. وأن نكون قادرين على أن نرتقي إلى مقام لغاته الجميلة ونزرع ورود الحياة في كلّ مكان وننشرُ معاني عظمتها الهائمة..
منال محمد يوسف
التاريخ: الثلاثاء 24-9-2019
رقم العدد : 17082

 


طباعة