تشكيل... أوديت الديب في أعمالها الحديثة..اختصــــار وترميــــز في النحــت الفراغــــــي..



افتتح معرض النحاتة أوديت الديب، في المركز الوطني للفنون البصرية, بحضور إعلامي كثيف ولافت، وقد احتوى المعرض على أكثر من خمسين منحوتة حجرية، بقياسات مختلفة، أتجهت فيها نحو الاختزال في معالجة الوجوه والعناصر الإنسانية, وبشكل يتلاءم مع تطلعات ثقافة فنون العصر.. كما تبرز في أعمالها النحتية الفراغية الوجوه المفجوعة والضائعة والحزينة.

صورة مغايرة
ومنذ مراحل طفولتها الأولى، كانت تميل نحو تحسس كل مايقع في دائرة حياتها من عناصر جمالية، ولقد توصلت في أعمالها المعروضة، إلى طريقة صياغة العناصر والأشكال، بأسلوب حديث ومعاصر، يوحي بالفكرة, حيث تغيب الأشكال في أحيان كثيرة، وتبقى حركتها الدالة عليها,وبتعاملها هذا مع الكتل الحجرية القاسية، تقدم صورة نموذجية للمرأة السورية، وذلك لأن قص وترويض الصخور الكبيرة، يعتبر من وجهة نظر المجتمع بمثابة عمل فني شاق، يتطلب المزيد من الجهد العضلي، المفقود في أحيان كثيرة في عوالم المرأة، والمتعارض مع نعومتها ورقتها وعوالمها الرومانسية، وبالتالي فاوديت تلعب دورها في تقديم صورة مغايرة لنظرة السياح الى المرأة السورية, وتساهم في الحد من انطباع الأجانب السلبي المأخوذ عن المرأة العربية، لاسيما وأنها تستخدم آلات القص والثقب الكهربائية والمطرقة والأزميل، وسط الغبار الكثيف المتصاعد، خلال نحت الكتل الحجرية القاسية.
ومن الناحية التشكيلية طغت على أعمالها النحتية المنجزة, الاتجاهات التعبيرية والرمزية, ووصلت الى ضفاف التجريد في بعض منحوتاتها, حيث تختصر حركة الشكل إلى حدود غياب معالمه احياناً. وبذلك فهي تمتلك القدرة على التعبير العفوي الذاتي, من خلال الكتلة المنحوتة، وحين يحضر الاحساس العفوي في العمل الفني يكون الصدق، ولهذا فأعمالها تحمل بصمتها الخاصة، رغم تنقلها بين التصريح والتلميح.
ظلال الحزن
تبحث اوديت عن الحركة النحتية في الكتل الحجرية « من نوع أونيكس « وهي متوفرة في الوادي القريب من «مرمريتا» وتأخذها كحركة خام، ثم تحولها إلى تشكيلات فنية, وقد تستفيد من بعض الحركات الصخرية المتشكلة بعوامل الطبيعة. رغم جهدها المتواصل للوصول الى التعبير الفني المطلوب. وتهتم بإبراز الفراغ ضمن الكتلة المنحوتة, اذ ثمة فراغ أو فراغان في بعض منحوتاتها, التي تتشكل بخيالات مختلفة تقترب من الواقع وتبتعد عنه, حسب فكرة العمل المطروح, وحسب درجة الانفعال لديها, فالالتفافات والأقواس هي أقرب إلى الحركة العفوية، من التموجات البطيئة والسطوح الناعمة,التي تأخذنا إليها أحياناً بنوع من الشاعرية والرومانسية، القادمة من عوالمها الأنثوية.
وهذا يعني أنها تبحث عن المعطيات الجمالية الأكثر اختزالاً وعفوية، والتي تأخذنا إلى اكتشافها في حركات الاجساد والوجوه وغيرها، بمعطيات ثقافية متنوعة، وتعيدنا في أحيان كثيرة إلى النحت البدائي، وهي إذ تترك بعض التآكلات أو التشققات أو الخطوط المتشكلة بعوامل الطبيعة، وبألوان الحجر المختلفة ظاهرة على سطوح بعض منحوتاتها, فإنها بهذه التقنية تريد العودة الى بدائية الحياة وخشونتها الأولى، وبالتالي فهي تتجاوز تفاصيل الأشكال، بقدر ما تذهب للوصول إلى التكوين النحتي، الذي يحمل تأثيرات وتحولات وتداخلات ثقافة فنون العصر، مؤكدة بذلك عبارة:» الأكثر بدائية هو الأكثر حداثة «.
وهي تقدم لنا جسداً في حالات تعبيرية مختلفة, وتجعلنا ننتبه إلى وجود كتلتين ملتصقتين في بعض الأعمال, وتتزايد الحركات الإيقاعية الإنسيابية والمتموجة والمحفورة على سطوح منحوتاتها, وهكذا تنزع إلى تقديم عناصر ومفردات تشكيلية تتقارب وتتباعد، كما تظهر تعابير الوجوه الحزينة في المنحوتة, بملامحها الغائبة والضائعة، لتؤكد مشاعر الحزن والمأساة الكاملة، التي تعيشها بعد الفاجعة، التي تعرضت لها، باستشهاد ابنها الباقي في قلبها وذاكرتها, والظاهر في ظلال منحوتاتها ولوحاتها.
جرأة خاصة
وعلى هذا تحمل منحوتاتها جرأة خاصة, وتضفي إيقاعية بصرية عفوية، بقدر ما تحمل من الإشارات القائمة على الرقابة المركزة، وهذه المعادلة تتطلبها الأعمال الفنية الحديثة الصادقة بدلالاتها التعبيرية المتنوعة, ولاسيما من ناحية إبراز إيقاع الحركة لأجساد ووجوه أنثوية وتشكيلات مختلفة، تجرد الحركة وتفصلها عن الجسد وتدفعها باتجاه حركة داخلية انفعالية, وهذه الضربات الفنية العفوية تعمل لتحقيق التكوين الكتلوي الحديث,في عملية بناء المنحوتة الحديثة, حيث تغوص في مسائل البحث عن تجليات تعبيرية تمنح أعمالها المزيد من الحرية والتأمل، للوصول إلى ما يمكن تسميته بالمنطق العفوي والروحي في صياغة المنحوتة الحديثة,وبذلك تساهم في تحويل النص المسموع إلى لغة بصرية نحتية حديثة، مع التركيز على اظهار الحركة الانسيابية، التي تسري في جسد أشكالها النحتية, لاستشفاف ينابيع الحضارة السورية القديمة، والتقاط إيقاع نبض أسلوب التحوير والاختزال والتبسيط والتجريد، عبر منحوتات فراغية تعكس رموز المحبة والانتماء إلى وطن عريق وحضارة موغلة في القدم.
فطواعية الحركة القائمة بين الكتلة والفراغ، شكلت المدخل الحقيقي للارتجال العفوي، الذي تبحث عن إيقاعاته المتنوعة, لتؤكد تلقائية الحركات الإنسانية المختزلة، إلى حدود التجريد الإيحائي، بقدر ما يوحي بحضور الفراغ المحيط بالكتلة، والمعبّر عن مشاعر الألم والذهول والانكسار وفراغ الأمكنة، وهكذا تصل إلى الحلول التشكيلية التي تتوسط التعبير والتجريد، بحيث تبدو الكتلة, بحضورها وفراغها، على طرفي نقيض, مثل جدلية الحياة والموت, أوالحضور والعدم.
أديب مخزوم
facebook.com adib.makhzoum

 

التاريخ: الثلاثاء 24-9-2019
رقم العدد : 17082

 


طباعة