قراءة... جميل حداد في حصاد السنابل:...أكتــب آلام وطني بجوارحي..



أن تقع اليوم على الشعر الذي كنت تبحث عنه يوما ما, فأنت تجد كنزا من الثراء اللغوي والفني, شعراء اليوم معظمهم قصيرو الشوط, بضع كلمات ترصف وانتهى الأمر, وإذا ما كانت شاعرة فالأمر مختلف تماما, ستجد عشرات المقالات التي تجعل بعض الهراء بمثابة ملحمة لم يأت مثلها هوميروس, وفي زحمة هذا الفضاء الكارثي, ثمة مجرى آخر, شعراء وشاعرات يمضون إلى المصب عبر مجرى عذب سلس, جدول اللغة وماؤها ونقاؤها, ربما لم يجدوا المساحة الواسعة من الاهتمام والمتابعة النقدية في الاعلام.. من هؤلاء الشاعر جميل حداد الرجل الوطني الذي قضى شطرا كبيرا من عمره ومازال يعمل بصمت, جميل حداد تدفق الشعر عنده بعد مرحلة الشباب, وكان أن أنجز أكثر من ديوان, بعضها أشرنا إليه هنا في صحيفة الثورة, وآخرها الديوان الذي صدر منذ فترة وجيزة بدمشق, عن دار البشائر, وحمل عنوان (حصاد السنابل) وقد جاء الحصاد بعد الزرع, بعد سنابل العمر الذي زرع وقدم وأعطى.

يلاحظ المتابع لما ينجزه الشاعر جميل حداد ثلاثة أقانيم تصبغ شعره ودواوينه التي صدرت: الوطن, الاهل, الأصدقاء, وجميعها تنبع من شغف العطاء والحياة, تتفرع الغصون والثمار, لكن الجذر واحد: الأمل, الألم, القلب, العمل, القدرة على التقاط كل ما يحيط بنا, حين التقيته بدمشق اثناء زيارته الأخيرة للوطن, كان الحديث عن الشعر والحياة والعمل والوطن, والغربة عنه, القدرة على تحمل جراح تكبر وتكبر, ولادواء لها سوى الكلمة التي تغدو قصيدة, من القلب تخرج لتصب في القلب.
هذا الكم الهائل من المشاعر,أسأله عنه فيقول والصمت يكاد يكون رفيق الحزن والاجابة: أنا اكتب جراحي بجوارحي, اكتب الوطن, كل حرف في اي قصيدة هو من نبع الأصالة التي أعتز بها من الجذور التي ستبقى ثابتة راسخة, من حقل العمر البهي, مما فيه, من أصدقاء وأحباء, وممن أعيش معهم ولهم.
لماذا أكتب؟ ما دوّنه في فاتحة الكتاب أو الديوان يقدم الاجابة الوافية على السؤال: لماذا أكتب؟ يقول الشاعر جميل حداد: أنا لا اكتب متشائما, وحياتي كلها جاءتني من ينابيع التفاؤل الذي تعودت عليه منذ وضعت أول قدم لي في ساحة النضال الوطني, ولكن انكسار الاحلام هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يدخل منه تشاؤمي, ولعل هذا يكفيني, ويضعني بين الحدود السلبية والايجابية في حياتي التي عشتها منذ نعومة أظفاري.
أنا أحب الوطن العربي, ولا اكتب احتراما له فقط, وإنما أكتب أيضا احتراما لنفسي ولوطني الذي طمحت بأن يعرف القارىء أنه يعيش في قلبي وسيبقى ما دمت حيا, كل ماكتبته وزعته تباعا على من تربطني بهم علاقة ود ومحبة, لا حباً بالشهرة وانما حب بما تربيت عليه في بيتي وفي حياتي النضالية, وأنا انتقل إلى الكتاب الخامس أجد طريق الأمل وطريق الحياة المفتوحين أمامي.
وبعد هذا الايجاز الجميل والثر, يمكن للقارىء أن يجد صدق ما ذهب اليه الشاعر, واتكاء على مقدمة الدكتور فاير الصايغ يمكن أن يعبر حقول العطر والبنفسج واللغة التي تحضر بهية نقية, فالشعر الكلاسيكي الجديد المتجدد, يبقى نضرا بهيا, لايمكن أن يذبل أو ينتهي عطره.
يقدم حصاد السنابل مئي قصيدة مكتوبة بشغاف القلب, والجميل أن الشاعر يقدم نبذة عن كل مناسبة, ولماذا كتب هذه القصيدة وتاريخها.. حصاد السنابل, ديوان شعر يحتفي بالحياة بالأهل, بالوطن بالناس, بالجمال, بكل ما يبعث الأمل ويجعل رسالة الشعر قادرة على أن تصل بنا إلى الحصاد وبيادره, والغلة قمح نقي لازؤان فيه, لأنه من تربة الوطن, والحصاد هو الزارع, ومن يزرع في تربة الناس الخير, فالحصاد بهاء المعنى والمبنى.
دائرة الثقافة

 

التاريخ: الخميس 10- 10-2019
رقم العدد : 17095