محمد عابد الجابري: دمشــق مـــلاذ كـــل عربــــي

 

 

وقل هي الشام لا خمر ولا جسد حتى ولا الزينتان المال والولد.. نعم هي بهية نقية خضراء باقية لأنها شامة الله على الأرض.. سورية لها في كل بقعة جغرافية في العالم بصمة ثقافية وحضارية وفضلها بين الثقافات والحضارات لاينكره احد.. قدمت للجميع دون سؤال عن هويته فهي وشم جمالي وفكري في كل عقل..نقف في محطات مع بعض هذه المحطات التي شكلت وكان لها دور كبير في حياة الكثير من الكتاب والمفكرين.
من هؤلاء محمد عابد الجابري الفيلسوف والمفكر المغربي الذي يتوقف في كتابه حفريات في الذاكرة عند المدة التي قضاها في دمشق وما تركته من أثر في تكوينه في ربوع دمشق.
يقول الجابري: اكتشف صاحبنا في دمشق منذ الايام الأولى من مقامه فيها صورة اخرى للمشرق غير تلك التي هيمنت على مخيلته بعد صدمة الأحياء الشعبية بالإسكندرية..لقد وجد دمشق مدينة هادئة ونظيفة ووجد سكانها في غاية النظافة والهدوء واللطف يعتبرون كل عربي واحدا منهم فيشعر الوافد عليها من العرب فعلا انه بين أهله وذويه في دمشق لا يشعر العربي بالغربة ابدا.

 

 

لم تسجل ذاكرة صاحبنا - والكلام للجابري - عن السنة التي قضاها في سورية (١٩٥7- ١٩٥8م) اي شيء من الأشياء المزعجة أو الغريبة التي تحتفظ لها الشحنة الوجدانية المرافقة لها بموقع ما في الذاكرة ما يجعلها تقاوم النسيان والفناء وتجعل في الإمكان الحفر فيها واستنطاقها فيما بعد.
أجل كانت السنة التي عاشها في دمشق مليئة بالأحداث السياسية والقومية أحزاب سياسية متصارعة متنافسة ومناقشات برلمانية صاخبة وصحافة حرة تزخر بأنواع المقالات سياسية وفكرية وادبية,وايضا تجنيد للرأي العام في النزاع الذي يبدو خطيرا بين سورية وتركيا واستقبال حاشد للرئيس جمال عبد الناصر.. ومناقشات كثيرة أفضت للوحدة.. كل هذه المظاهر والوقائع عاشها صاحبنا في دمشق متتبعا ملاحظا, واحيانا منخرطا.
وهناك ظاهرة كانت قد أثارت انتباه صاحبنا واستغرابه في الايام الأولى من مقامه في دمشق وهي نوع الحجاب الذي ترتديه النساءهناك.. فهو غيره في المغرب.. في دمشق فقد استرعى انتباهه كونه اسود رقيقا شبه شفاف تلقيه المرأة على جسمها من قمة رأسها إلى أخمص قدمها بما في ذلك الوجه.. وعندما سأل صاحبنا أحد الأساتذة عن ذلك قال له إنه قديم يرجع إلى العصر الروماني والأغريقي، وقد تأكد صاحبنا فيما بعد أن ليس هناك حجاب موحد إنما هناك حجاب على طريقة كل بلد.
والظاهرة الثانية التي أثارت انتباه صاحبنا واستغرابه عبارة التحية التي يتبادلها الناس هناك في سورية ولبنان والأردن وفلسطين وهي.. مرحبا.. والجواب: «مرحبا او مرحبتين».. وقد فسر صاحبنا التحية هذه بكون البلد فيه تمازج بين مختلف المكونات فكانت التحية عامة شاملة للجميع.
بقي الجابري في دمشق مدة عام كامل كان خلالها طالبا, أصيب بدمشق بمرض التراخوما بعينه، وكتب عن رحلة العلاج التي استمرت فترة من الزمن في عيادة طبيب دمشقي, وقد وقع بحب مساعدة الطبيب التي أعجب بها, ويشير إلى ذلك في كتبه (حفريات في الذاكرة من البعيد) وهو صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت, وإذا كنا توقفنا عند الوشك السوري في حياة الجابري، فهذا لايعني آلا نشير إلى أن الكتاب مذكرات شخصية جميلة وممتعة يمكن للقارئ أن يجد فيها الكثير من الفائدة والاطلاع على سيرة المفكر الجابري، صاحب الكتب المهمة التي حللت بنية العقل العربي, سياسيا وثقافيا وأخلاقيا،وقد حفرت مجراها عميقا في الثقافة العربية وتركت نقاشا مهما مازال قائما, توفي الجابري منذ فترة من الزمن.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يمن سليمان عباس
التاريخ: الجمعة 11-10-2019
الرقم: 17096