قراءة... لماذا يسرقون تراثنا وحضارتنا؟..أوغاريــت تفضـح لصوصيتهم..



من سورية كان الاشعاع الحضاري الأول حرفا ونغما, وقدرة على الابتكار والابداع, لا نأتي بجديد عندما نتحدث عن الأمر, ولن نمل الحديث عنه, لأن تاريخا حضاريا عمره عشرة آلاف عام ونيف, لايمكن أن يوجز بكتاب أو موسوعات, ولايمكن لأي متابع منطقي إلا أن يقف وقفة الاعجاب لما اكتشف في سورية, ذات العشرة آلاف عام من الانجازات الحضارية, والمتحف في الهواء الطلق, فحيثما ضربت فأسا تجد بقعة تحوي كنوزا وآثارا.
اللافت في الأمر أن هذا التاريخ من العطاء كان منذ أن وجد عرضة للسرقة والنهب والسطو من قبل لصوص الحضارات ومدعي الثقافات والتاريخ, وما نشهده اليوم من موجات عدوان متتابعة على الآثار السورية ومحاولة سرقتها وطمسها, ليس إلا تتمة للعدوان الدائم الذي تحدثنا عنه.
الولايات المتحدة ذات التاريخ الهجين, بل بكل سهولة يمكن القول: أشنيات الحضارة المادية التي تحاول إثبات أنها ذات رسالة ثقافية وحضارية, تقود اليوم هذه الحرب المجنونة على تاريخنا وحضارتنا وثقافتنا, ومن قبل كان الاستعمار الغربي الذي فعل الكثير, وجاء بعده الاحتلال العثماني, واليوم أيضا يتابع إجرامه المنظم بحق تاريخنا وثقافتنا وكل ما لدينا.
ولايمكن للمتابع أن ينسى ما فعله الكيان الصهيوني الذي تأسس على العدوان, وسرقة كل شيء من الأرض والتاريخ وادعاء أن جذوره هنا في المنطقة, مع أن كل الأبحاث التاريخية بما فيها الغربية دلت باليقين القاطع أن لاعلاقة لشذاذ الآفاق هؤلاء بأي تاريخ وتراث, وليسوا إلا تجمعا عدوانيا يسطو على كل شيء, ويحاول أن يؤسس لوجود ولو افتراضيا, لكنه يخفق في الامر كل مرة,لأنه بلا جذور.
الجديد في الدراسات المقارنة التي تتابع عمق ما أعطته سورية التاريخ والحضارة, كتاب حمل عنوان: أوغاريت والعهد القديم, ترجمه الباحث السوري المتألق:فراس السواح, وصدر عن دار التكوين بدمشق, التي اثرت المكتبة العربية بكل ما هو رصين ومتميز, الكتاب من تأليف: بيتر كريغ,وهو باحث بريطاني في تاريخ (الكتاب المقدس) صدرت له العديد من الكتب والمقالات التي حول تاريخ اوغاريت, وبحث كيف سرق العهد القديم أساطير اوغاريت, وهذا الكتاب يبحث بالعمق والدليل الأمر, ويصل إلى خلاصات كثيرة, مفادها أن العهد القديم انتحل كل شيء من أساطير وتراث بلاد الرافدين, وقد عمل باحثون كثيرون على الدراسات المقارنة ووصلوا إلى هذه النتيجة التي يقدمها بيتر كريغ.يتوزع الكتاب على ستة فصول هي: اكتشاف مدينة ضائعة, الحياة في أوغاريت, اللغة والادب, العهد القديم والدراسات الاوغاريتية, اكتشافات جديدة, مرشد لمزيد من الدراسات والاطلاع.
أوغاريت مركز الإشعاع
يجري الباحث مقارنات عديدة بين ما قدمته أوغاريت, وما جاء في بعض المزامير, وكما خلص باحثون كثيرون, يصل الى الخلاصة نفسها, لقد سرق العهد القديم هذا كله من تراث المنطقة وجاء الصهاينة الذين لاعلاقة لهم بالمنطقة ايضا محاولين تأسيس كيان على اساطير العهد القديم, بمعنى آخر, سارق جديد يتكىء على سارق قديم, ويحاول الجديد أن يزرع جذورا لكليهما, لكنه يبقى معلقا بقشة الوهم, ولايعدو ان يكون اكثر من اشنيات لايمكن إنباتها كجذور, فالتاريخ والحفريات التي تجري والدراسات كلها تدحض ادعاءات الصهاينة, وهذا ليس من بنات الخيال, بل يقدمه علماء وباحثون قضوا عمرا وهم ينقبون ويقارنون, وكانت النتيجة أن سطوا كبيرا وقع على تراث بلاد الرافدين,ان أوغاريت التي أحدث اكتشافها انقلابا في قراءة التاريخ, هي مصدر الحرف واللون والموسيقا, وملهمة الكتاب حينها بالكثير من الأساطير.. ويرى الباحث ايضا دور الادب الفرعوني في العهد القديم,وكذلك البابلي, ويخلص إلى القول: بعد اكتشف رأس شمرا أوغاريت صار من الطبيعي أن نلتفت أكثر إلى أثر هذا الأدب من أجل استقصاء المؤثرات الخارجية على مؤلفي العهد القديم, ويتابع في هذا الفصل المهم جدا عقد المقارنات في هذا المجال الصعب الذي يحتاج إلى الدقة والأناة وقد تحققق الأمر لدى الباحثين المنصفين.
خلاصة القول الكتاب مهم جدا, وقد جاء بوقته المناسب ليعري سرقات التاريخ قديما وحديثا, وليكشف زيف الادعياء, وليضيء بالوقت نفسه من حيث لم يقصد كيف تتم سرقة تاريخنا الآن ويحاولون تزويره, وتدمير ما لايسرق أو يزور, من اجل ترسيخ مفهوم أنهم أصحاب حضارات, بينما هم في واقع الأمر ليسوا أكثر من لصوص لأكثر من دور, وجاء من يتابع معهم لصوصيتهم.
دائرة الثقافة
التاريخ: الأربعاء 15- 1 -2020
رقم العدد : 17169