إصدارات... الإبـــــــــداع مــــــــــن رحـــــــــــم الألــــم..



حين تعكس الكتابة الإبداعية همّ الكاتب أو الشاعر, وتعبر عن مكنوناته الداخلية يأتي المنتج له مذاق خاص, ففي حضرة الانتماء للارض والحياة ثمة شعور غريب ينتابك, وخصوصاً وأنت تقرأ عن بطولات السوريين سواء في مدينة عدرا العمالية أو في غيرها.
(عدرا.. من يوميات الحصار في عدرا العمالية وسفر الخروج) عنوان عريض لمجموعة قصصية صدرت عن اتحاد الكتاب العرب للأديب محمد خالد رمضان.
يسرد الكاتب عبر مجموعة قصص واقعية حوادث أليمة, تجرح القلب جرحاً كبيراً, حوادث لأطفال صغار وأناس عجزة ونساء وجميع المآسي التي من الممكن أن يتضرر بها الإنسان كانت تجري بهذا العدد من الأيام وبهذا العدد الممكن من الصباحات.
شريط الذاكرة الذي يفيض بذكرى الألم, جعل رمضان يروي لنا قصصاً قاهرة غريبة وعجيبة لا شكل لها ولاقدر, فهو يصف في مقدمته: يا للمناظر شبه المتوحشة التي كان البشر يظهرون بها.. فآه, وأي زي يرتدونه بلا شكل, كان غير ظاهر... لاهروب, لانزوح من أرض عــــــدرا العمالية, لابكــــــاء لاجـــروح لا آلام, لاقهر مثل ذلك, لاجراح مثل ذلك, لاموت مثل ذلك..
يفتتح رمضان مجموعته بقصة حدثت معه صباح 11 /12 / 2013 وقد عنونها (صباح أربعاء مرعب) وفيها يصوّر هول الألم ووحشنة المتآمرين والمنافقين والجهلة..
مبكراً مشيت مع ابنتي رؤى إلى بيتها لجلب بعض الأغراض, كانت الساعة تشير إلى السابعة, نجلب الأغراض ونعود, يطرق الباب بعنف شديد, تصرخ أم عبدو: من هذا؟ افتحي يا امرأة؟
اركض وافتح الباب أفاجأ بلحية طويلة جداً, أتابع رفع نظراتي, سيف معلق إلى الخصر, سيف شبه مستقيم يتدلى ويتحرك أحياناً, عيناه متوحشتان غائرتان.
ثم يمضي بنا الكاتب عميقاً في عدرا العمالية ليتحدث عن واقع صمد به السوريون وهم يتلظون ويكتوون بنيران الجحيم.. يروي لنا حكاية الصيدلاني الذي لم ينقطع عن عمله في خدمة الناس, فكان مثال الطيبة والشجاعة والإنسانية.
وفي قصة (فسحة الخزانة المغلقة) يؤكد الكاتب تعاضد السوريين ووقوفهم إلى جانب بعضهم في مواجهة الإرهاب الأسود, وقوة تماسك المجتمع الذي يقوم على انتاج القوة والمودة الصادقة والمعاشرة الحسنة والطيبة... فنقرأ:
نزل الجميع إلى الأقبية بناء على أوامر الوحوش، أبو علي يحتار أين يتوارى.. فكر أبو سليمان صاحب الطابق الأول طويلاً بعد معاناة رهيبة وصبر على كلمات المسلحين، فهم يريدون أبا علي بالاسم.
وكل مرة يهددون الناس بالبنادق والبلطات، أخيراً قال أبو سليمان لأبي علي: وراء الخزانة يا أبا علي.. وراءها فسحة لا تثير الانتباه، ولم ينتبه إليها أحد طيلة أيام التفتيش.. أبو علي لا يخرج إلا نادراً لا ينام إلا قليلاً، هكذا تمضي أيام الحصار وأبو علي يكاد يموت خوفاً.. في صباح اليوم ما قبل الأخير سقطت الأغراض والكركبات من فوق الخزانة على أبي علي.. صرخ رعباً وخوفاً.. أيقظ أبا سليمان وعائلته، قفز من مكانه خارج المخبأ، يرتجف ويرتجف، يمسكه أبو سليمان.. يلاطفه، يؤنسه حتى يهدأ، يبكي أبو علي بكل ما يستطيع، يبكي معه أبو سليمان وعائلته، أصوات البكاء تسمع خارج المنزل، يهدأ الجميع، يعاود أبو سليمان مواساة أبا علي.. يخرج أبو علي مع المنكوبين في أول يوم من أيام الخروج، يخرج تاركاً كل شيء، كل شيء، ينجو بروحه.
(عدرا) مجموعة قصصية استطاع كاتبها أن يوثق من خلالها يوميات مدينة عدرا بكل إرهاصاتها من الحزن والألم والصمود والتفاعل, لكننا نقول إن عدرا المزروعة بسفح الموت, وتحت رذاذ الحزن, وسيوف الجناة, ماهي إلا مدينة من مدن سورية التي تألمت وصمدت وانتصرت في النهاية.
ايها السوريون تنحني الهامات اعترافاً بأنكم الأنهار والبحار والمحيطات, انكم الشجاعة والبسالة والصمود, والشرف والعزة والكرامة.
عمار النعمة
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

التاريخ: الخميس 20 - 2 - 2020
رقم العدد : 17197

 


طباعة