علــــــــى عتباتهـــــــــا انــــــــدحرت جحافـــــــــل الغـــــــــزاة


المدن العظيمة لا تموت، وحلب التي عرفت بمجدها وتاريخها الغارق في آلاف السنين يحكي سفر بطولات وأوابد شامخة، وأبواب موصدة في وجه الغزاة الطامعين، وأيد تقبض على مفاتيح المدينة لتسجل عبر أعلامها من الشعراء والأدباء عظمة هذه المدينة وأهميتها التاريخية والثقافية والفكرية، فكما لمع بريق عظمائها» المتنبي والفارابي وسيف الدولة الحمداني وأبو فراس الحمداني و..» يلمع فيها اليوم المواطن الواعي، الصامد والمقاتل المنتصر، المدافع عن وطنه وأرضه في خندق واحد مع أبطال الجيش العربي السوري خلف القيادة الحكيمة والشجاعة في معركة التحرير، معركة الكرامة والشرف حتى تطهير تراب الوطن جميعه من دنس الإرهاب وطغيانه.

عاصمة للثقافة الإسلامية

لم يكن اختيارها مصادفة، فحلب النابضة بتاريخها عبر العصور والأزمان تتحدث عن نفسها، وهي عاصمة للثقافة قبل أن تختارها منظمة المؤتمر الإسلامي بالتعاون مع منظمة الثقافة الإسلامية في العام 2006 ليزداد ألقها الروحي والثقافي والاقتصادي على مساحة العالم أجمع.
فاختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية كان ضمن بوتقة من المعايير تنبض بها مدينة حلب في امتزاج الثقافات الإنسانية المتآلفة في نسيج روحي بين الديانات السماوية لتقول من جديد وتؤكد أن الإسلام بريء من كل ما ينسب إليه من ادعاءات كاذبة تشوه قيمه ومبادئه الإنسانية السامية التي تدعو إلى المحبة والتسامح وقبول الآخر.
واختيرت حلب عاصمة للثقافة الإسلامية لغناها بالإرث الحضاري والثقافي المتنوع الغني الذي يشع على العالم ويعطي على مدى التاريخ الإنساني والإسلامي كثيراً من هذه الثقافات التي انتشرت من خلال أبنائها في ربوع الأرض، وخصوصاً أن حلب تميزت بأنها مرت بفترات عديدة بعدد من المذاهب الإسلامية المتعددة، فمن الثقافات الصوفية التي كان يعيش في جنباتها» السهروردي، والنسيمي، ومر بها ابن عربي وجلال الدين الرومي فكراً وروحاً..
كما احتضنت حلب عدداً من المفكرين وعلى رأسهم عبد الرحمن الكواكبي الذي عرف بفكره المستنير وضمن كتابه» أم القرى» عصارة فكره وتجربته الفكرية والثقافية والاجتماعية» وفي كل ذلك تحتضنه البيئة الحلبية التي استطاعت أن تحتفظ بهذا الكنز وتتناقله من الآباء والأجداد إلى الأبناء والأحفاد.

وجه حضاري وثقافي

ومن يدرك معالم حلب الحضارية ابتداء من أبوابها ومساجدها وليس انتهاء بأسواقها وقلعتها الشامخة عبر التاريخ كهامات شعبها، سيشهد هذا التنوع الحضاري الواسع الذي أعطى لحلب المساحة الثقافية المتكاملة لكل المذاهب والشرائع والتي هي في حقيقتها نتاج إسلامي إنساني قامت به الطوائف جميعها والقوميات التي سكنت حلب، فأخذت من عبقها وأعطت لمستقبلها ثقافة غنية عنوانه المحبة وقبول الآخر.
وتسجل كتب التاريخ أن أول مسجد بني على بابها» باب أنطاكية» وما يزال مسجدها الأموي الخالد، وقد تحول إلى مدرسة روحية في جوار كنيسة الحلوية التي مازال مذبحها البيزنطي جزءاً من تراثها المعماري» المسيحي الإسلامي ظاهراً للعيان وشاهداً على تآلف الأديان زمن الإسلام لكل الديانات السماوية.

بعد تاريخي

في دورته المنعقدة بالجزائر في العام 2004 قرر المؤتمر الإسلامي اختيار حلب عاصة للثقافة الإسلامية، وقد فازت بالتصويت لأنها تمتلك تاريخاً متميزاً عن قريناتها من المدن، حيث يتجاوز عمرها عشرة آلاف عام ومازالت تنبض بالحياة، وهي المدينة الإسلامية الوحيدة في العالم التي تضم تراثاً عمرانياً يمثل المراحل الإسلامية جميعها بدءاً من جامع الشعيبي الذي أقيم أثناء الفتح الإسلامي الراشدي، إلى الأموي والزنكي والأيوبي والفاطمي والمملوكي.
وحلب تملك بعداً تاريخياً لم يتوافر لغيرها، فهي الأكثر قدماً بين مدن العالم، وهي أيضاً حاضنة لكل الثقافات البشرية والأديان والعقائد في هذه المنطقة في تعايش لهذه الأديان جميعها.
ولاشك فإن التنوع الثقافي الإسلامي منذ الفتح الإسلامي وحتى الآن اختزل حركة الثقافة الإسلامي عبر العصور، في حلب التي تمثل أنموذجاً لتطور العقائد في التاريخ البشري، ما يعني أنها استطاعت أن تستوعب التعدد، وتساهم في التقارب والتمازج بين أفراد المجتمع كافة عبر مسيرة حضارية إنسانية فاعلة.

حاضنة ثقافية

وحلب بعد ذلك تنفرد بتراث فكري شديد الثراء، وبلاط سيف الدولة مثال حي لاستقطابه الشعراء والأدباء» المتنبي، الفارابي، ابن جني، ابن خالويه، الخوارزمي .. وما اجتمع على باب حاكم كما اجتمع في بلاط سيف الدولة الحمداني، ولا يمكن تجاهل عصر بلاط الظاهر الأيوبي، فقد كانت حلب في ذاك العصر درة المدن الإسلامية تجارياً واقتصادياً.
وهذه العوامل مجتمعة أعطت حلب إرثاً فكرياً كبيراً جعل منظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم تختارها عاصمة للثقافة الإسلامية لتقدم الوجه الحضاري المرن والمتسامح للتاريخ الإسلامي.

عاصمة للثقافة السورية

تنتصر حلب اليوم بإنسانها وثقافتها وتراثها، تنتصر لنفسها وهي أيقونة المجد وسلالة الأحرار والأدباء والأبطال، لتعلن من جديد أنها ستبقى هي حلب أم الثقافة ورائدة الحضارة، فهي ورغم ما أصابها من أعدائها من الدمار والقتل والإرهاب لم تتوقف عن إعطاء العالم الفنون الرائعة والإبداعات الثقافية المختلفة، لتؤكد عمق أصالتها وأصالة شعبها الوطني وكنزها من القامات الفنية والأدبية والعلمية.
وتتربع حلب من جديد على عرش الثقافة لتكون أول عاصمة للثقافة السورية بعد اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية في العام 2006، ترجمة لمكانتها التاريخية في الحضارة الإنسانية، وإبراز دور الإبداع في بناء الإنسان وتنمية الوعي والانتماء وحب الأوطان.

قلعة الثقافة

وحلب استطاعت أن تنهض من رحم الحروب والأزمات بهمة أبنائها المخلصين، فكانت مقبرة للأشرار والغزاة، وقلعة صمود في وجه الإرهاب، كما هي قلعة الثقافة والأصالة والعراقة المتجذرة في عمق التاريخ حضارة إنسانية وفكراً وثقافة وفناً وعلماً.
وما اختيار حلب عاصمة للثقافة السورية إلا تأكيد على دورها الثقافي والفكري والفني على مدى العصور والأزمان، هكذا توصل حلب رسالتها إلى العالم أنها مهد الحضارات والتراث، وعلى أعتابها اندحرت حجافل الغزاة
فاتن دعبول

التاريخ: السبت 22 - 2 - 2020
رقم العدد : 17199

 


طباعة