تحقيق... بين القراءة والمشاهدة ... سحرهما.. لا يلغي مكانة الرواية ودورها

 

لكلِّ رواية نختار قراءتها، حديث شائق يوشوشنا بخفايا ذاكرتها. الذاكرة التي تحيا بتجدِّد ما تستقطبُ من المفردات، والتي تنتعش كلَّما امتلأت بالمزيد من حكايا الحياة.. المؤلمة أو الكوميدية.. المدهشة أو المتخيلة أو العجائبية.
البعض يشعر بمتعة كلّما استدعته هذه الحكايا روائياً، والبعض الآخر يرى أن المتعة الأكبر، عبر مشاهدتها مجسَّدة درامياً أو سينمائياً أو مسرحياً.

هي آراءٌ، لأنها تختلف لدى جميع عشّاق القراءات الروائية. نسأل «أدباء وشعراء وفنانين وناشرين» عما إذا كانوا يشعرون أنّ الرواية تفقد قيمتها ومكانتها ومتعتها، إن تحوَّلت إلى فيلمٍ أو مسلسلٍ أو مسرحية؟..

الخللٍ لدى المبدع أو المتلقّي
• هادي دانيال - شاعر: لا أعتقد أنّ جنساً إبداعياً «بين أجناس الأدب والفنّ خاصّة» بمقدوره أن يُفْقِدَ جنساً إبداعيّاً آخَرَ «قيمتَه ومكانته ومتعته» وافتقاد هذه القيمة سببه خللٌ إمّا عند «المُبدِع» الذي يفشل في توفير شروط التّحقُّق الإبداعي لنتاجه الأدبي أو الفنّي، أو عند المتلقّي العاجز عن التلقّي فهماً وإدراكاً وبالتالي استمتاعاً، وقد يكون سبب الخلل مزدوجاً، وهذا يحصل تاريخياً في عصور الانحطاط الحضاري الشامل الذي سبق لأمتنا أن سقطت في واحد منها، وهي الآن ومنذ عقود تدخل في عصر انحطاط جديد، وبالتالي أستبعد تماماً تأثير المسرح والسينما والدراما سلباً على الرواية إلّا من ناحية أنّها لم تعد مرجعاً لصناعة السينما والمسلسل الدرامي، وقد يكون هذا من أسباب تقلّص جمهور السينما، مثلما يمكننا أن نعدّ افتقاد الأدب المسرحي، من أسباب تقلّص جمهور المسرح. لكنّ تراجع الرواية سببه الرئيس أنّها لم تعد إبداعا باللغة بعد تحويل اللغة إلى مجرّد وعاء بلاستيكي تُفرَغ فيه المكبوتات الشخصيّة «الجنسية والاجتماعيّة والسياسيّة» للكاتب بدون توفّر المواهب والمهارات القادرة على استثمار جمالي لشذرات السِّيَر الذاتيّة الأرخبيلية المتواضعة من حيث التجربة الحياتية والمعرفيّة. هذه المكبوتات التي تحاكي مكبوتات المتلقّي في مجتمع استهلاكي يُفرز ثقافة مُنْحَطّة لها جوائزها التي تُمَولها الدوائر الخليجيّة خاصّة، وهي ثقافة تخديريّة تُنيم الفكر والخيال.

هل تساءلنا عن الهدف مِن إقامة بعض الدول لمهرجانات السينما ومنح الجوائز في شتى الأجناس الأدبية، وهي لا تنتج السينما ولا رصيد لها في تراكم الأعمال الأدبية النقدية والسردية والشعرية، بل تزج بالشعراء في سجونها على خلفية تأويل قصائدهم؟.. وهل هذا السلوك يختلف عن تمويل ما يسمى «ثورات الربيع العربي» لإقامة الديمقراطيات في الدول التي تستهدفها؟», عدا عن كون هذه النصوص السردية التي تفيض بها المطابع تئنّ فجاجة وضعفاً على أصعدة الحبكة وبناء الشخصيات والأحداث في الزمان والمكان. إنها وبالإضافة إلى سطحية الحوار وبلادته واضطراب المشاهد، تُشيع بين النُّخَب والعامّة لغة فقيرة قاموسيّاً، وركيكة أسلوبياً، وكثيراً ما ينقطع فيها خيط السرد ويضجرك الحشو، أمّا على صعيد المغزى والدلالة والمحمول المعرفي، فعبثاً نتوسّل مصباح «ديوجين» بحثاً عن ذلك، ولا شكّ أن افتقاد الغربال النقدي الذي يفضي إلى «وعي كتابي» إن صح التعبير، من أسباب هذه الفوضى التي تُفقِد الرواية «القيمة والمكانة والمتعة» وتجعل القارئ ضحيّة تفشّي سلالة «روايات عبير» بتعديلات مصطنعة تزيدها ابتذالاً - في الفضاء السردي العربي المعاصر.. هذا الواقع يجب ألاّ يسمح لنا بتجاهل استثناءات تلمع كالجواهر في محيط الرداءة العارم، لكنّها استثناءات تؤكّد القاعدة..

لم ولنْ تفقد قيمتها
• خزامى فاضل - فنانة تشكيلية: برأيي، الرواية من أجمل الفنون الأدبية وأكثرها قدرة على تحقيق المتعة الذهنية والحياتية للقارئ، ورغم أن مشاهدتها عبر الشاشة أو المسرح أو السينما، لاتحفِّز الخيال كما لدى قراءتها وتخيّل أحداثها وأمكنتها والتعاطف مع أبطالها. رغم ذلك، هي لم ولن تفقد قيمتها وقدرتها على أن تبقى وسيلة لإراحة الذهن وتقوية الذاكرة التي تمدُّ القارئ ببعضِ ما أودعه فيها من تراكمات وما قرأه ويسعى إلى تذكّره، ولاسيما فيما يتعلق بالأحداث والشخصيات التي تركت لديه أثراً كبيراً..

بالنسبة لي، أرى أن قراءة الرواية تمنحنا فرصة كبيرة للتفكير، وقدراً مهماً من الفائدة التي لا نحصل عليها عبر المشاهدة البصرية. ذلك أن من يقرأها يشعر بأنه المخرج وصاحب الابداع والخيال، ومن يشاهدها لابدَّ أن يشعر بأن هناك من يفرض عليه متابعة القليل أو الكثير مما لم يكن قد قرأه فيها، أو حتى توقع أن يشاهده لدى تحويلها إلى عروضٍ درامية أو مسرحية أو سينمائية.
لا تعبُّر عن خيالِ قارئٍ يعيش التفاصيل
• عفراء هدبا - ناشرة: مهما بلغت براعة المخرج وإبهار الصورة من مدى، فإنه من الصعب أن تصل إلى ما يعتمل في خيالِ قارئٍ يعيش العمل الروائي في أدق تفاصيله دون مقص رقيب أو تدخل ناقد، وإذا كانت الفنون البصرية قد نهلت من معين الأعمال الروائية على اختلاف أجناسها كمصدر إلهام لكُثرٍ من المشتغلين بالفن، وارتقت بفضلها صورة وحواراً وحكاية والأمثلة كثيرة، فإن الرواية لم تحصد من هذه الشراكة سوى بعض من الدعاية والإعلان جعلت البعض يعود إلى صفحات الرواية ناقداً أو باحثاً عن جذور العمل الدرامي ومراجعه، وعن معادلة لم تكن متكافئة يوماً، وهذا ما عبر عنه كثير من الروائيين الذين تحولت أعمالهم إلى الدراما أو السينما أو المسرح.
هؤلاء، يشعرون بالصدمة إزاء تأطير رواياتهم في مساحة زمانية ومكانية، لم تكن كافية للتعبير عما كابدوه حتى لحظة ولادة رواياتهم بعد مخاض عسير..
وإن تأثرت بزمن السرعة
• ثراء الرومي - كاتبة وشاعرة: ربما يكون لشاشة السينما سحرها بالنسبة للمتلقي، كما أن لأبي الفنون المسرح قدرته على اجتذاب الجمهور بالتفاعل المباشر الذي يمنحهم متعة ليس ثمة ما يضاهيها، ولكن ذلك لا يلغي أبداً دور الرواية التي تبقى لها مكانتها وإن تأثرت قليلاً بزمن السرعة والاستسهال لجيلٍ سمته الأساسية نفاد الصبر والبحث عن كل ما هو مختصر، حتى بات يمكن تسمية بعضهم بجيل النسخ واللصق.
رغم كل هذه التحديات، تحتل الرواية مكانتها كونها أثيرة لدى الكثيرين ممن يفضلون الدخول إلى عوالمها وشخوصها رغم ضيق الوقت، بدليل انتشار أثر بعض الروايات العصرية الناجحة في خطابها ومفرداتها كالنار في الهشيم بين مختلف الأجيال.
أنا شخصياً خضت تجربة كتابة رواية ولم أكن قد تجاوزت الرابعة عشرة، لأنني نهلت من معين هذا الصنف الأدبي زاداً لغوياً ثراً، ولا يسعني إلا أن أكون وفية لما ساهم بتشكيل ذائقتي الأدبية وتطوير مهاراتي اللغوية.
هفاف ميهوب

التاريخ: الأثنين 24 - 2 - 2020
رقم العدد : 17201

 


طباعة