حكـــايـــاهـــم.. بالـــدم والحبـــر ألـــوان نصر للحيـــــــاة



«لم أكن أنوي أن أكتب، فوجدت نفسي أهمس لأحدهم: «ثمة قرارات نتخذها ونتكلف الإيمان بها، كأن نزهر مثلاً في أرضٍ ما، لكن باختيارنا، وخير الأماكن والقرارات التي نطمح إليها، تلك التي تكمن في السكينة التي ننشدها فيها، وليس للأماكن أن تهب سكينة لأحد، بل وحدها النفوس الحية بإنسانيتها وعذوبتها، من تُسكننا ضلوعها، وتسكِّن آلامنا».

مقدمة، لا أجمل من أن نعرّف من خلالها، بإبداعات المقاتلين من شبابنا.. الشباب الذين ألقت الحرب نارها في أفئدتهم، فاتَّقدت لحظات حياتهم.. بعضهم، استلَّ سلاحه، والآخر مفردات روحه.. استلها، معلناً ما أعلنه «أحمد حبيب خضور» الشاب الذي لم يكن يتوقع بأن يتحوّل ما يدونه في «يوميات مقاتل» إلى إبداعٍ أكثر ما أراد منه، مواجهة العقل الهمجي المظلم والجاهل.
أحمد حبيب خضور - قاصٌ
أصدقُ الحبِّ.. رسائلٌ ممهورة بالدماء
هذا ما أعلنه «خضور» الذي صدمه واقعٌ وجدهُ يشيح عن المبدع الحقيقي، ويلتفت للمنافق المدعي. واقعٌ، اضطرّه للمرابطة خلف متاريس الحرب، متسلِّحاً ببندقيته وحكاية عشق سوريته:
«أصدقُ الحبِّ ما كانت رسائله ممهورة بالدماء، وأثبت الأقدام في الأرض هي قدم محاربٍ غرسها في الصخور دفاعاً عن الوطن، فتفجَّرت منها ملايين العيون، تضيءُ الحياة بالشرف والكبرياء»..
إنه واقع الحرب التي لا يعرف المقاتل النوم فيها.. ينام الناس ويبقى مترقباً ومستعداً لمواجهة كلّ من يسول له إجرامه، مهاجمة حدود الحقِّ التي يحرسها ويحميها.
نعم.. لا يعرف النوم على مدى حربٍ رغم نيرانها، تُشعره بالصقيع الذي يجمّد إلا أحاسيسه المشتعلة بهواجس مفرداتها:
«الناس نيامٌ، إلا من كانوا يحرسون الزمنَ خشية أن يِوحش ويتوحَّش. ما أوحش صحو البرد.. حتى الرصاص بارد، والحرب باردة، وما من خائنٍ سوى كوب شاي مترف بالدفء».
كنان محمد - شاعر
إن رجالنا بحرُ... وإن دماءنا نذرُ
«يا شاربين نزيف الراح من دمنا/ وراقصينَ على أشلائنا طربا/ سيحرقُ الظلمَ من أجسادنا لهبٌ/ وينشر النورَ في آهاتنا شُهُبا/ يفنى الكريم ولا يرضى مذلَّته/ من قال غير الذي قد قلتهُ كذبا/..
أبياتٌ لشاعر، هو أيضاً مقاتلٌ يرى بأن ما جعلنا نهزم القطيع الإرهابي -الداعشي، مواجهتنا له بالشرفاء الطاهرين، والفقراء الصادقين.. برجال آمنوا ووعدوا بأن تكون الدماء لباسهم، والغبار دثارهم، والحب قائدهم ومرشدهم إلى ما يحمي ويصون هذا الوطن..

يرى أيضاً، بأن علينا أن نواجه الفكر الذي يتبنّاه هذا القطيع الظلامي، بفكرٍ استثناني في وعيه الثقافي والتربوي والعلماني. فكرُ أناس همُّهم وسعيهم وجهدهم، للارتقاء بهذا الوطن وأبنائه، بعيداً عن التملق والنفاق وسواهما مما ابتُلينا بوبائه.
هي «صرخة مقاتل» بل «تراتيل جندي» سعى «محمد» لتبيان غضبهما، وصلاة وجعهما، عبر هاتين المجموعتين اللتين صفعَ بهما كلّ حاقدٍ ومتآمرٍ وخائن وعدوّ رجيم.. كلّ من واجههم بقصائد سوريته، وبصوت «النصر العظيم»:
«وكمْ قلنا لكم/ خلّوا بلادَ الشامِ إنَّ الله يحميها/ وجبريلٌ يواسيها/ وأنَّ القبرَ محفورٌ لكلِّ جنودكم فيها/ وأنَّ الدمَّ إن ينزف/ سيورقُ في الثرى مجدا/ وأنَّ الحقَّ إن يعصف/ يهدُّ صروحكم هدَّا/ وأن البغيَ مهلكةٌ/ وأنَّ الظلمَ موبقةٌ/ وأنَّ عند أرجلنا/ يخرُّ البغي والظلمُ/ فكلُّ سلاحكم لعبٌ/ وكلُّ جيوشكم وهمُ/ وأنَّ رجالنا بحرُ/ وأن دماءنا نذرُ/ وأنَّ الشمس إن غربت/ أعادتها عزيمتنا/ فليلُ بلائنا فجرُ...»..
علي برهوم - موسيقي وتشكيلي
لا شيء مستحيل..
هو ليس مجرد فنان تشكيلي اضطرّته الحرب لحملِ البندقية إلى جانبِ الفرشاة والألوان، لمواجهة أعداء الحياة والإنسان.. هو أيضاً، شهيدٌ حي.. جريحٌ، مثلما كان على قناعة بأن الفن رسالة، كان على قناعة بأن الدفاع عن الوطن، وفقدان الروح أو أي عضوٍ من جسد الإنسان المقاتل، هو رسالة مكتوبة بدمِ الشرفِ والكرامة المُصانة.
إنه «علي برهوم» التشكيلي والموسيقي الذي استمرَّ ورغم إصابته، بالرسمِ الذي جسّد فيه كلّ حكايا الألم والمعاناة التي تعرّض لها أبناء سوريته.. الحكايا التي كلّ أصدقها وأشرفها، تلك التي لم يكتفِ بكتابتها عبر إبداعه، وإنما أيضاً، عبر جراح جسده ونزيف أوجاعه.
استمرَّ مؤكداً بأن لا شيء مستحيل، وبأن على الإنسان ألا يستسلم أبداً.. استمرَّ بكلِّ مايحمله من عشقٍ لهذا الوطن مثلما لآلاته ولوحاته. آلاته العازفة، ولوحاته العارفة، بأنّ الفن هو ما يُشعره بجمال الحياة التي واجهها بكلماته:
«لا شيء مستحيل، ومن المهمِّ أن يجرب الإنسان وأن يؤمن بقدراته وإمكانياته وألا يستسلم أبداً، لأن الوطن هو جزء منا ويجب أن نقدم له الكثير.. بالنسبة لي لا يوجد شيء مستحيل، وأنا أؤمن بقدراتي وأعتبر نفسي متدرباً دائماً في هذه الحياة..»
ياسر حسن - كاتب
الطفلُ في داخلي.. يقف باستعدادٍ ليُحيِّي العلم
«لهذه البلادُ فتنةٌ ما.. سحرٌ لا يمكن أن تكتشفه.. ربما هي التفاصيلُ الصغيرة التي تجرُّ القلب كطالبٍ كسول، تضربهُ على يديهِ بعصا الحنينِ حتى يحبها غصباً»..
كلماتٌ، للكاتب «ياسر حسن» المقاتلُ الذي عاش سنوات الحرب مابين نار رصاصه، ونورُ ما بداخله.. الرصاص الذي أطلقهُ على عدو أرضه، والنور الذي ألهمه ما فاضَ عشقاً، وصفَ تجذّره في سوريته رغم نزيف ألمه:
«حاولتُ أن أكرهها، وأنا أتذكر سنواتُ الحربِ بكلِّ ما فيها. بصورِ الجنودِ النائمين على حجرِ الأمل.. بمنافقيها الذين يجلدوكَ بشعاراتِ الوطنية الزائفة.. لكن، شجر التوت في الذاكرة كان أقوى، ووصايا الشهداء.. بخور الأمهات اللواتي مازلن يعتقدن أن أبناءهنَّ سيعودون.. الحبيبة التي تجدلُ شعر الصباح وتغني للجبلِ حتى يغفو صنوبره.. الجرحى الذين أكلت الحربُ أرجلهم، فبقوا هنا على الأرض ريثما يحيك لهم الله أقداماً أخرى..
حاولت أن أكرهها، لكن الطفل في داخلي مازال يقفُ باستعدادٍ ليحيِّي العلم في باحة المدرسة»..
إحسان الشمندي - فنان تشكيلي
كيفَ أمضي؟!!..
«الصمتُ لغتي وبعض ملامحي، وللغاتِ أنواعٌ وأشكالُ.. صارَ لساني أبكماً، وصارت عيوني أنجماً، وتجمعت على فمي الأقفالُ»..
نعم، الصمت لغته، لكن الرصاص صوت قضيَّته.. قضية فنان تشكيلي، هو مقاتل يحمل وبالإضافة إلى ألوانه وأدوات لوحته، بندقيته وصرخة الحقّ السوري:
«فقدتُ منزلي ومرسمي وأعمالي أثناء الحرب، وحين كانت المعارك على أشدَّها، كنت أرسم على بقايا صناديق الذخيرة ومخلفاتها، كي أقدِّم الحياة على الموت، والجمال على القبح، وكنت أنشر على صفحتي كي يشعر الجميع بالتفاؤل والحياة.»..
إنها فلسفته.. قرأناها في رؤيته: «قرأ في كفّي/ وقرأتُ في عينيهِ أرضاً غير أرضي/ كيف أمضي؟!.. / وبعضي هنا/ يشتاقُ بعضي».
يتساءل، فيكون ردّه الأجمل: «إنها فلسفة الحنين، والخوف من فقدان الوطن ومسقط الرأس، وهو ما كتبته بعد أن قرأ صديقٌ كفّي وقال لي، ستموت في سنٍّ مبكرة وبأرضٍ بعيدة، فتألمت لدى سماعي هذا منه، فأنا أحب أن تحضنني أرضي التي هي الوطن ومسقط الرأس. أنا أقرأ ذاتي، وحين أرسم أكون في رحلة استكشافٍ لهذه الذات».
هفاف ميهوب

 

التاريخ: الثلاثاء 10 - 3 - 2020
رقم العدد : 17213

 


طباعة