لماذا يغتالــــــون الشخصيـــــــــــات الثقافيـــة والسياسيــــة المقاومـــــة

عندما يعلو صوت الحق ويصبح قانوناً لفعل المقاومة، وعندما تصبح الكلمة أقوى من إرهابهم، تمتطي تنظيمات المرتزقة والارهاب شرورها بأساليب من الإجرام وأنواع من المؤامرات لتغتال تلك الشخصيات الثقافية والسياسية المقاومة التي يحتفظ سفر البطولات بأسماء العشرات بل المئات منهم، ولاتزال طرقات معارك التحرير وبصمات الانتصارات شاهداً حياً على بطولاتهم وتضحياتهم.
توقفت ندوة «اغتيال الشخصيات الثقافية والسياسية المقاومة» بإدارة الشاعر محمد خالد الخضر في المركز الثقافي العربي «أبو رمانة» عند أهمية توثيق حكايات استشهاد أبطال محور المقاومة من سورية وفلسطين وإيران في غير نوع من التوثيق والتي تتوزع بين المشهدية السينمائية والتحليلية والسردية.
بداية سلط الشاعر الخضر رئيس فرع إدلب لاتحاد الكتاب العرب الضوء على الأسباب الجوهرية التي دفعت الموساد الصهيوني لاغتيال خليل الوزير وماكان يقوم به هذا البطل من دور إيجابي اجتماعي وثقافي في تقوية التلاحم الفلسطيني والأسباب التي دفعت قاسم سليماني وناجي العلي وباسل قرفول إلى الشهادة.
رمز للمقاومة
أصبح حديث الساعة منذ استشهاده إلى اليوم في إيران وفي البلدان التي خاطر بحياته لأجلهم واستشهد، يقول أبو الفضل صالحي نيا المستشار الثقافي لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في سورية: ليس خافيا على أحد الدور الذي قام به الشهيد قاسم سليماني في إفشال المؤامرة الصهيو-أمريكية، ولم يتردد لحظة ليأخذ مكانه جنبا إلى جنب القادة في سورية، ولعب دورا أساسيا في الكثير من المعارك وبصماته خالدة في العديد من الانتصارات ضد التنظيمات الإرهابية.
وكان رمزا لعمق العلاقات الاستراتيجية بين إيران وسورية، حيث قدم في سورية خلال محنتها كما لو كان في بلده الأم إيران، ليس فقط عسكريا بل في كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، وما اغتياله إلا اعتراف بخطره على المصالح الأميركية وأطماعها، بل إن خطره وهو شهيد أكثر رهبة وقوة على المصالح الأمريكية وأطماعها، لأن استشهاده أصبح منطلقا لإخراج أميركا من المنطقة.
ضمير الثورة
لم يكن يدري ذاك الطفل أن خربشاته ستكون ذات يوم سببا لملاحقته ومن ثم اغتياله، يقول الشاعر والناقد رضوان فلاحة: توزعت أوجاعه بين اغتصاب بلاده وتشرده في المنافي فكان رسام الكاريكاتير ناجي العلي يعي تماما معنى أن تغتصب بلاده وأراد توثيق أحداث الثورة الفلسطينية، فكانت لوحاته الواحدة والأربعون ألف سلسلة تاريخية للمشهد الفلسطيني والعربي، ليكون فلسطينيا تارة، وعربيا فلسطينيا تارة أخرى، يعمل على تعزيز أدواته وتكريس مفرداته وأدوات عمله، حتى لقب بضمير الثورة الفلسطينية، واغتياله هو اغتيال لفكرة التحرير لكامل التراب الفلسطيني، واغتيال لفكرة الكفاح المسلح، واغتيال للنضج المقاوم والفكر النضالي المحصن ضد الغزو الثقافي, ومهما قيل فقد استطاع أن يجمع الشتات ويصنع ثورة ضد الاحتلال، وستبقى أيقوناته منارة يستمد منها الشعب حماسه وتدفعه إلى عالم خال من الظلم والإرهاب.
باقون على العهد
وفي مداخلتها عادت المقاومة ليلى خالد إلى ذكرياتها منذ الطفولة مع ناجي العلي في مخيم عين الحلو، وكيف كان يخربش بخطوطه، ثم شارك بمعرض زاره غسان كنفاني فشجعه وبدأ الطريق معه، وغدت لوحاته التي ينشرها في صحف متعددة بمثابة بيان يومي، موضحة أن روحه الساخرة تسكن فضاءات لوحاته، ولم يترك شيئا إلا وثقه بريشته.
وختمت بدموع كادت تتجمد في مآقيها وهي تتحدث عن زيارتها لقبره في لندن وتخيلته يبتسم لها فتقول له» نحن باقون على العهد ياناجي».
توثيق الذاكرة
ويرى الكاتب وليم عبدالله أن التوثيق ضرورة ملحة للحفاظ على الثقافة والحالة الاجتماعية، ويسعى بدوره للقيام بهذه المهمة في غير شكل توثيقي لتسجيل قصص الشهداء من خلال الأفلام التوثيقية والإذاعية، لأنه يرى أن التوثيق لم يأخذ مكانته من الاهتمام والجدية بعد، فنحن نفتقر لتوثيق الحالة الاجتماعية والإنسانية والبطولية للجيش العربي السوري.
وقد اتخذ سرده التوثيقي طابع المشهدية السينمائية بتسلسل الأحداث وشد انتباه الحاضرين إلى قصة البطل باسل قرفول التي تذكرنا ببطولة جول جمال، ليبدأ من القدر الذي رسم حكاية بطولته وفدائه لرفاقه بروحه، وأوضح أن الشهيد قرفول لم يكن مجبرا على الاستمرار إلا أنه واجه الموت من أجل وطنه، وأفشل المخطط التركي بدخول حلب.
وتوقف بدوره عند تحليل اللحظات الأخيرة من حياته بتخيل الحديث الذي دار بينه وبين صديقه الجندي، ليصل إلى أهمية التوثيق بصناعة الذاكرة المجتمعية، وأن توثيق حكايات الأبطال أمانة تكتب بمصداقية لتكون شاهدا للأجيال القادمة، حيث يعتمد في أسلوب كتابته الحكاية الموثقة على شكل قصة درامية، يعتمد على الأحداث التي لازمت الشخصية وعلى البيئة المحيطة للحدث وكيفية سير المعركة والإصغاء إلى شهادات حية من الجنود، ثم يبني عليها قصته التوثيقية لتكون مرجعا للأجيال وكتابا خالدا في سفر البطولات.
مسؤولية وطنية
نفخر جميعا بما أنجزه جيشنا العربي السوري وماقدمه من تضحيات في ميادين المعركة، وقد تركزت المداخلات على أهمية توثيق هذه الحكايات البطولية بمختلف وسائل الإعلام المسموعة والمرئية خصوصا لأنها الأقرب إلى ذهنية المتلقي والأكثر رسوخا في ذاكرته، كما أشاد البعض بشخصية حنظلة التي اعتمدها الفنان ناجي العلي حتى غدت رمزا للقضية الفلسطينية، تحكي قضاياهم وتستنهض الهمم.
كما قدم محمد خالد الخضر قصيدة عنوانها» قاسم سليماني» بيّن فيها أهمية استشهاده دفاعا عن أخوته في سورية والعراق، وكانت هدية الفنان التشكيلي محمد جلال رسومات للشهداء الثلاثة، قدمت للمشاركين ولذوي باسل قرفول بشكل تكريمي باسم محافظة إدلب.
أخيراً
لاشك من الأهمية بمكان تسليط الضوء على شخصيات وطنية استطاعت أن تحدث فرقا في المجتمعات لتكون أنموذجا يحتذى في هذا العالم الذي يحاول الآخر تشويهه وصهره في بوتقة العولمة بعيدا عن جذوره وهويته.

 

فاتن أحمد دعبول
التاريخ: الجمعة 20-3-2020
الرقم: 17221


طباعة