لمـــاذا روايــــة البؤســــاء الآن..؟


رفيقة طفولتنا وشبابنا, قرأناها بأكثر من ترجمة, تارة بشكل موجز معد لمرحلة ما من العمر, ومرة اخرى للشباب الذين كان الكتاب ديدنهم, اليوم تصدر في دمشق وعن الهيئة العامة السورية للكتاب ترجمة جديدة للرواية, وضمن المشروع الوطني للترجمة, ترجمها زياد العودة, وقد صدرت في جزأين, وبذلك تكون الهيئة العامة السورية للكتاب قد وضعت بين أيادي القراء رواية من عيون الآداب العالمية.
وربما من حقنا أن نطرح السؤال التالي: هل من جديد في هذه الترجمة, وكيف, ولماذا تصدر الآن وليس غيرها من الروايات العالمية الأخرى ؟
لن ندعي القدرة على الإجابة, لكن رصيد المترجم في العمل والقدرة على تقديم ترجمات مميزة, هو جواز مرور إلى أن تكون الرواية بترجمة جديدة لا تعبث بالوقائع والأحداث (على أساس التعريب) وتقدم للقارىء العربي ترجمة أنيقة ورشيقة, وبالتالي موفورة الآن بين ايادي القراء, في ظل غياب الإصدارات المهمة عن الكثير من دور النشر, وعدم إعادة إصدار عيون الأدب العالمي, وبالتالي حدثت فجوة بين أجيال اليوم وتاريخ الآداب العالمية, وهم وجها لوجه أمام موجة روايات اقل ما يقال فيها, إنها ليست من لون الرواية, ولا تحمل طعمها, بغض النظر عما يحيط بها ويرافقها من ضخ إعلامي يكاد يجعلها تنغرس في الأذهان, لكن ذلك حقيقة, لم يبق إلا لفترة قصيرة, وتحل موجة جديدة من استنساخ جيل جديد, لا جذور له.
بين بؤسين
ثمة مفكر عالمي قال ذات مرة: إن العالم يعيش بؤسين, بؤس الفقر والعوز المادي, والعوز المعرفي والقيمي والاخلاقي, واليوم تتضح الصورةأكثر فأكثر, ويبدو البؤسان معا, بل يؤسسان لما هو أسوأ مما نظن, وربما يخطر في البال السؤال التالي: هل غادر البؤس مدن الغرب, وهل الحضارة التي يدعونها باسم القيم والديمقراطيات والحريات, حققت شيئا ما ؟
بالتأكيد, القيم غابت وحل مكانها نسيج آخر, أراد الغرب الاستعماري أن يسوقه على أنه القيم الحضارية, وما نراه الآن على الساحة العالمية يعري كل ما ضخ له الغرب, فبؤساءفيكتور هيغو ليسوا بضعة أشخاص, ولا هم شريحة من مجتمع, أو طبقة محددة, بل غدوا العالم الغربي برمته, وبالتالي صار البؤس واقعا لامحيد عنه إلا برؤية مختلفة وجديدة تعيد للإنسان كرامته وحريته وقدرته على رسم ملامح وجوده بعيدا عن الاستلاب المادي والحضاري الذي يرسف تحته الجميع بوطأة تخنقنا.
رواية البؤساء, (استلهمها هيفو من حادثة وقعت أمامه وكان ذلك عام 1829م، عندما رأى ثلاثة غرباء وضابط شرطة حيث سرق أحد الغرباء رغيف خُبز، وهؤلاء الثلاثة الذي رآهم هوجو أخذوا دورًا في الرواية بعد أن تخيَّل هوجو حياة الرجل في السجن، وهم جان فالجان السارق، والأم فانتين وابنتها كوزيت، جان فالجان هو البطل الرئيس لرواية البؤساء، حيث يصف هوجو صراع جان فالجان لعيش حياة طبيعية بعد أن حُكِم عليه بالسجن تسعة عشر عامًا لسرقة الخبز، لا لنفسه بل لإطعام أُسرة شقيقته، وقد حُكِم خمسة أعوامٍ للسرقة وأربعة عشر عامًا لمحاولات الهرب، وقد رفض أصحاب النُّزُل استضافته كونه مُدانًا سابقًا ويضطر للنوم في الشَّارع. ولحُسن حظ جان فالجان فإن أحد الأساقفة المُحسنين يوفر له مكانًا لينام فيه، وأثناء الليل يركض جان فالجان سارقًا فضّيات من منزل الأسقف لكن الشرطة تُلقي القبض عليه، إلا أن الأسقف يتظاهر بأنه هو من أعطى الفضّيات لجان فالجان ولم يسرقهم، وبعد مغادرة الشرطة يطلب الأسْقَف ميريل من جان فالجان بأن يستخدم مال الشَّمعدانات الفضّية لصنع رجل نزيه وشريف داخل نفسه، أما شخصية فانتين وكوزيت في رواية البؤساء فهي بائسة حقًا).
هل ثمة رؤيا إنسانية قادرة على التكثيف كما في المقطع السابق, ومن يعيد الدور الانساني للأدب وللمرجعيات الروحية, بل والحضارية, وينقذ البشرية من بؤسها وعدميتها ؟
لن يفتقد العالم كتابا كبارا كما هيغو وغيره ممن كانوا, وتركوا لنا هذه الكنوز, لكنه (العالم) بحاجة إلى إعادة توازنه, بعد أن اختل كثيرا, والادب أحد اوتاد التوازن ومرجعية قيمية كبيرة, شكرا للهيئة العامة للكتاب على الترجمة بتوقيت ربما يكون (رمية من غير رام, ولا أقصد التوقيت, لكنها رمية بتوقيت إعادة طرح سؤال الحياة: إلى اين نمضي ؟
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

يمن عباس
التاريخ: الجمعة 20-3-2020
الرقم: 17221


طباعة