بلغة المقاربات الاستراتيجية



يشهد الحراك السياسي نزوعاً واضحاً نحو مزيد من التنسيق، بحيث يضيف إلى الاصطفافات المنتظمة عملياً عوامل الإدراك بالمتغيرات التي تعصف بالمنطقة، وإن لم تستطع أن تجاريها حتى اللحظة من حيث السرعة، في وقت تنهار فيه أو تكاد معالم الترابط العضوي في المنظومة الغربية على وقع المشادات والتباينات التي تطفو على سطح مقارباتها السياسية، وهو ما يجزم ببناء تحالفات لها لغتها، وتمتلك إيقاعها الذي يجيز لها الاختلاف عن حقبة الهيمنة الأميركية.
فالمرحلة تشهد تصعيداً متعدد الأبعاد، يدفع نحو مقاربات سياسية ذات طابع استراتيجي تقتضيها الضرورة، وتبيح الكثير من المحظورات في السياسة وفي التحالفات، وأحياناً تتطلب تنسيقاً أبعد من الاستراتيجيات وصولاً إلى التفاصيل التي كانت تترك في العادة للتطورات المفروضة للبتّ فيها، ويتم الاتفاق على صياغتها في أجندات مشتركة.
اليوم.. المسألة باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، نظراً لبروز ثلاثة مؤشرات - في الحد الأدنى- على التحول في مسار المواجهة، يرتبط الأول بتفعيل العقوبات الأميركية والغربية عموماً على نحو غير مسبوق، وتلامس من خلالها الإرهاب الاقتصادي الموصوف بصورته الأكثر بشاعة.
ويتعلق الثاني بالاصطفافات التي تتغير وتتبدل، لكنها لم تعدّل في أجنداتها، أو لم تحد عنها في سياق الاستهداف المكثف لمحور المقاومة، وصولاً إلى استهداف منظم لمحور محاربة الإرهاب والتسخين على جبهات مفتوحة ومغلقة في الآن ذاته.
فيما الثالث يأتي من الانعطافات الحادة في المقاربة الأميركية والتجاذبات داخل هذه الإدارة والتباينات المرتبطة بالعلاقة بين أميركا وحلفائها وأدواتها على حدٍّ سواء، حيث تفرض بمعاييرها المختلفة مجابهة صامتة واختلافاً في الأولويات، وإن ظلّت في الأساسيات محكومة بالهيمنة الأميركية ومفرزاتها ذات الطابع القسري، وما تثيره من امتعاض ما زال يوصف بالهادئ رغم ما يخرج من تأفف بات مسموعاً بشكل واضح.
وجميعها تتقاطع على خلاصة واحدة تشير إليها الإرهاصات المسبقة التي برزت على نحو متصاعد، من خلال التصدع في المشاريع الأميركية المعدّة للمنطقة وخارجها، حيث التفسيرات المتواترة تؤشر إلى أن النزق الأميركي وردة الفعل الغاضبة والمتهورة غالباً التي شهدناها بشكل مباشر في التعاطي الطائش مع الأزمة في فنزويلا هما حصيلة مكابرة أميركية تحاول جاهدة تأخير الاعتراف بذلك الفشل، وتصدّر ما تستطيع من أزمات داخل منظومة العدوان وفي الداخل الأميركي، لتأجيل الإقرار بفقدان القطبية الأحادية..!!.
ورغم اللحاق الغربي بالهوس الأميركي لفرض حالة من الاستلاب، فإن التمرد الأوروبي على القرارات الأميركية فيما يخص الاتفاق النووي، والتمرد الإيطالي على الأوروبي ذاته فيما يخص الموقف من فنزويلا، ورغم أنها انقشاعات في الهيمنة ذات طابع مؤقت وآنيّ، فإنها تؤسس لذلك التصدع، ليصبح أكثر وضوحاً في سياق المواجهة، وخصوصاً أن الكثير من الخطوات الأميركية تثير رعب حلفائها قبل غيرهم، وبعضها يُفهم منه على أنه إجراءات عقابية على محاولات رفض الإذعان الخجولة.
الإحاطة بسياق المقاربة ونضوجها ووضوح مسارها، يحتم النظر إلى أن الأفول المنتظر للمشروع الأميركي بطابعه الإرهابي لم يصل إلى نهاياته، وحقبة الهيمنة الأميركية لا تزال تحكم ضوابط العلاقة بين الغرب والشرق، والمواجهة المفتوحة معها تجاوزت طور التشكّل، وإن كانت جملة القراءات تجزم بأن ذلك المشروع واستنساخاته في هزيعه الأخير، وهو الهزيع الأكثر خطورة وصعوبة، ما يحتم فرضية رفع منسوب التنسيق باللغة التي تمليها الوقائع بين أطراف محور محاربة الإرهاب، فاللقاء السوري الإيراني في طهران تمهيد عملي لتنسيق أشمل وأوسع، يشكل المظلة السياسية المتكاملة والاستراتيجية في مواجهة استطالات الهيمنة والاستلاب ومخرجاتها الإرهابية وتفرعاتها العدوانية.
بقلم رئيس التحرير عـلـي قـاسـم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
التاريخ: الأربعاء 6-2-2019
رقم العدد : 16903