حرفيــــو الدباغــــــة والجلديــــــات..دعــوات لإنقــاذ الحرفــة مــن الكســـاد وفتــح أســـواق تصديريـــة


يواجه قطاع الصناعات الجلدية تحديات متنوعة ومختلفة في ضوء ما شهدته البلاد من تداعيات نجمت عن سنوات الحرب العدوانية الظالمة على سورية والتي طالت كل أشكال الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصناعية والمهنية وغيرها ومارافقها من حصار اقتصادي وضغط باتجاه تهديم كل بنيان ارتفع في سورية خلال العقود الأربعة الماضية..
واليوم يقف منتجو الجلديات من حرفيين وصناعيين على مفترق صعب بالنظر إلى ما يتحملونه من ضغوطات في العمل ناجمة على صعوبات تمثلت بحجم الكساد الكبير وعدم القدرة على تصريف المنتجات، إلى جانب توقف التصدير وتأثير بعض القرارات على سير العملية الإنتاجية والتسويقية..
ويضم هذا القطاع نوعين من الحرفيين والصناعيين: الأول هم حرفيو وصناع الدباغة، والثاني هم حرفيو وصناع الأحذية والحقائب وملحقاتها، وهؤلاء بمجموعهم يشكلون كامل قطاع الصناعات الجلدية الذي شهد تطوراً كبيراً ونمواً ملحوظاً خلال السنوات التي سبقت فترة الحرب العدوانية على سورية..لجهة حجم الإنتاج الضخم الذي كان يضخ في الأسواق المحلية والخارجية، وكثافة اليد العاملة التي كان يشغلها هذا القطاع، ووصل إلى مرحلة بلغت مساهمته في الناتج الإجمالي نسبة 5%..
أما اليوم فإن جملة من الصرخات أطلقها العاملون في قطاع الصناعات الجلدية من حرفيين وصناعيين بعد أن وصل الأمر بهم إلى حد الإفلاس والتوقف عن العمل وإغلاق منشآتهم أو بيعها...
رغم التحديات
محمد كزارة رئيس الاتحاد العربي للصناعات الجلدية قال إن الصناعات الجلدية لم تتوقف طيلة سنوات الحرب العدوانية على سورية في معظم الأماكن التي تتواجد بها، وبسبب ظروف الهجرة انتقلت من مكان إلى آخر مع استمرار الصناعيين والحرفيين بتأمين حاجة السوق المحلية من الأحذية والحقائب بأنواعها.
ويبين كزارة إنه ومن خلال لجنة الصناعة الجلدية في غرفة صناعة حلب يتضح أن العدد في حلب حوالي 450 ورشة تعمل في إنتاج مختلف الأصناف والمستلزمات لصناعة الأحذية والحقائب أما على مستوى سورية فيوجد أكثر من ألف ورشة ومعمل في جميع المحافظات ومن جميع الأصناف ومستلزمات الإنتاج وهؤلاء يغطون حاجة السوق المحلي كاملاً ويتم التصدير إلى بعض الأسواق مثل لبنان والعراق والأردن.
نقص اليد العاملة وارتفاع التكاليف
ومن الصعوبات التي تواجهها هذه الصناعة نجد الارتفاع الزائد لتكاليف الإنتاج المتمثلة بأسعار الطاقة في كثير من الأماكن التي يوجد فيها ورش أو معامل لتصنيع الجلديات، أيضاً هناك مشكلة تتعلق باليد العاملة الخبيرة وهجرة الشباب السوري، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن إلى الأسواق الخارجية..
كما يوجد مشكلة في عدم توفر كامل مستلزمات الإنتاج والنقص توقف معامل الأنعال عن العمل الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعارها بسبب قلة عرضها في السوق.
وقف الاستيراد
ومن المقترحات والرؤى للنهوض بهذه الصناعة: العمل على وقف استيراد الأحذية من الصين وغيرها، فكما نعلم أن هناك سماحاً لاستيراد الأحذية الرياضية فقط، لكن تحت هذا المسمى يدخل مختلف أنواع الأحذية وهذا مخالف لإجازات الاستيراد التي تُمنح للموردين والتجار، ويتسبب ذلك بضرر كبير للمنتجين من مصنعين وحرفيين فحتى الأحذية الرياضية تصنع في سورية بجودة عالية وبأسعار منافسة ولا نحتاج لاستيرادها من الصين أو غيرها من الدول..
كذلك فإنه للنهوض بهذه الصناعة لا بد من تسهيل عمليات الشحن إلى الأسواق الخارجية بأسعار معقولة وبسرعة وسهولة..وإعفاء جميع مُدخلات الإنتاج من الرسوم الجمركية والضرائب لكي يتمكن الصناعي والحرفي من المنافسة وتسهيل واقع المعارض والمشاركات الخارجية..
تعثر التصدير
وفيما يتعلق بحجم التصدير يبين كزارة أنه يوجد حالياً تصدير ولكن بشكل قليل, والسبب يعود إلى عدم وجود الشحن المضمون والسهل وأسعار الشحن المرتفعة، والتأخير في زمن وصول البضائع إلى الزبون مع الإشارة هنا إلى أن هذه الصناعة موسمية وتخضع لعوامل وظروف الموضة، وكذلك هي من الصناعات الهامة جداً في سورية ولها اسم كبير في الأسواق الخارجية وخاصة أسواق دول الجوار التي كنا نستهدفها قبل الحرب، ومن خلال مشاركتنا في معرض خان الحرير في بغداد لاحظنا اهتماماً كبيراً من المستهلك العراقي الذي يفضل الذوق السوري في إنتاج الأحذية لكن حالياً هناك صعوبة بالشحن وهذا الأمر أخر حضورنا في السوق العراقية ما أدى إلى أن تحل سلع بعض الدول الأخرى محلنا في هذه السوق..
الإنتاج مكدس
زكريا غيبة عضو مجلس إدارة الجمعية الحرفية لصناعة الأحذية بدمشق تحدث عن جملة الصعوبات التي يواجهها الحرفيون في العمل وخاصة خلال السنوات الأخيرة الماضية، حيث يوجد إنتاج كبير مكدس ولا يجد له أسواقاً للتصريف في ضوء ضعف الاتجاه نحو التصدير بسبب الحصار الاقتصادي وظروف الحرب العدوانية على سورية، إلى جانب أن ضعف القدرة الشرائية لدى المستهلك المحلي الذي ساهم في تراجع حجم التسويق وأدى إلى بطء في الدورة الاقتصادية لرأس المال العامل لدى معظم الحرفيين..
فتح أسواق خارجية
وأشار غيبة إلى ضرورة فتح أسواق خارجية لتصدير المنتجات السورية خاصة وأن هناك طلباً كبيراً على السلعة السورية في الأسواق المجاورة في العراق والأردن ولبنان، وهناك أسواق في ليبيا تطلب المنتجات السورية باستمرار لكن المشكلة في الشحن إلى تلك الأسواق وخاصة المجاورة في العراق حيث أن مدة الشحن المضمون براً إلى بغداد تتطلب حوالي 25 يوماً لتصل البضائع بشكل آمن ومضمون وبالموعد المحدد، لكن هذا الشحن تكاليفه عالية جداً، وهناك شحن بطرق أسرع لكنه غير مضمون وقد يحدث تأخير أو ربما أضرار بالبضائع..
والحرفي السوري ينتظر بفارغ الصبر فتح المعابر البرية مع العراق التي ستؤمن مروراً أسهل وأسرع وأضمن إلى الأسواق العراقية..
تنظيم المعارض
وفي هذا الاتجاه يجد غيبة أنه على التنظيم الحرفي أن يوجد هيئة عمل تتبع له ويكون مهمتها فقط تنظيم المعارض الداخلية والخارجية للحرفيين، بحيث تتوفر الإمكانية لدى اتحاد الجمعيات الحرفية أن ينشط هذا الجانب بعد تلقي الدعم اللازم من الحكومة والجهات المعنية بهذا المجال، وهذا الأمر سيتيح للحرفيين أن يمتلكوا زمام المبادرة في عمليات التسويق من خلال التواجد في الأسواق الخارجية وتلمس حاجة تلك الأسواق من النماذج والموديلات والمواصفات المطلوبة لكل مستهلك في كل سوق يتم التوجه إليها، ويقوم بعمليات البيع المباشر، وهذا الأمر يبعد عنه استغلال بعض التجار للحرفيين وخاصة فيما يتعلق بالمشاركات في المعارض الخارجية، مبيناً أنه من الضروري أن يتطور شكل العلاقة ما بين التاجر والحرفي لتصبح علاقة تكامل وتعاون وليس علاقة تتيح للتاجر أن يستغل جهد الحرفي وتعبه وحاجته لتصريف منتجاته، ويشتري إنتاجه بسعر بخس ليقوم هو ببيعه بأسعار مرتفعة في الأسواق المحلية والخارجية..
ولفت غيبة إلى أهمية إقامة بيت المنتجات السوري في بغداد وتنشيط هذه الفكرة ودعمها، ضمن شروط ميسرة ويكون هذا البيت السوري بمثابة حلقة الوصل ما بين الحرفي السوري والزبون في الأسواق الخارجية وخاصة في بغداد، بحيث يضمن تصريف منتجاته بشكل آمن ومريح للطرفين ويعيد الحضور للمنتجات السورية في السوق العراقية..
دباغات معروضة للبيع
رئيس الجمعية الحرفية للدباغة بدمشق مازن ثلجه قال إن مهنة الدباغة بدمشق مهددة بالتوقف النهائي عن العمل بسبب الظروف الحالية التي أثرت بشكل كبير عليها بعد أن كانت من أكثر المهن التي تعمل ليلاً نهاراً لتلبية حاجة السوق المحلية والأسواق الخارجية التي كانت تطلب الجلود السورية بكافة أنواعها..
ثلجه بين أن حرفيي وصناعيي الدباغة أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من مرحلة الإفلاس,وهناك عدد من أصحاب الدباغات عرضوا منشآتهم للبيع بعد أن توقفت نهائياً عن العمل، حيث يوجد في المدينة الصناعية بعدرا حوالي 85 دباغة معظمها شبه متوقف عن العمل، والمشكلة الأساسية التي نواجهها حالياً هو عدم السماح لنا بتصدير جلود البقر بمرحلة (الكروم) والتي تشهد طلباً عالياً في الأسواق الخارجية، ولدينا منها إنتاج كبير، بالمقابل غير مسموح لنا أن نستورد جلود بقر بمرحلة (البكل والكروم) وهذا الأمر فيه ضرر كبير للدباغات..
ذلك أن جلد البقر السوري سعره مرتفع ولا يتناسب مع المستهلك المحلي لذلك كنا نقوم بتصديره إلى الأسواق الخارجية ونستورد جلد بقر بأسعار أقل من الخارج ونطرحه في الأسواق المحلية لكونها تتناسب مع دخل المستهلك المحلي..
منع تصدير جلود الكروم
هذا الأمر كنا قد طالبنا به عبر كتب ومراسلات عن طريق الاتحاد العام للحرفيين في شهر نيسان من العام الماضي، بأن يتم السماح لنا باستيراد جميع أنواع الجلود (بقر-غنم-ماعز) بمراحله (خام-بيكل-كروم) لنهاية عام 2018، وطلبنا أيضاً السماح بتصدير جميع أنواع الجلود بكافة مراحله باستثناء الخام، وبعد المتابعات تم اعتماد رأي مديرية الصناعة في المدينة الصناعية بعدرا الذي بين أنه (لا حاجة للاستيراد في الوقت الحالي) بسبب توفر كميات من جلد البقر بواقع 420 ألف قدم مربع بمرحلة بيكل، و80 ألف قدم مربع بمرحلة كروم، ومن جلد الماعز 120 ألف قدم مربع بيكل، و200 ألف قدم مربع كروم، وهذه الكميات بالفعل كانت موجودة لدى الدباغات لكنها ليست بالكميات الكبيرة قياساً بحجم الطلب على الجلود.
أما بالنسبة لطلبنا السماح بالتصدير فقد جاء رأي مديرية الصناعة بمدينة عدرا الصناعية بأن يستمر السماح لنا بتصدير جلود الأبقار بمرحلة (كراست-فيجيتال-منتهي) لنهاية عام 2018 فقط.
وهنا المشكلة أن هذه الجلود بمراحل (كراست-فيجيتال-منتهي) لم تعد مرغوبة وليس عليها طلب في الأسواق الخارجية..
إعادة النظر بقرار المنع
لذلك نحن ندعو المعنيين لإعادة النظر بهذه القرارات التي أربكت عمل الدباغات وأدت إلى تكدس المنتج وعدم تصريفه..بحيث يتم السماح لنا بتصدير جلود الأبقار بمرحلة الكروم وبهذا تحل المشكلة..مع الإشارة هنا إلى أن حاجة السوق المحلية من الجلود لا تتعدى 5% من إنتاج الدباغات وبالتالي هذا الفائض الكبير يحتاج إلى فتح باب التصدير لضمان تشغيل المنشآت وعدم تسريح العمال واستمرار تأمين المادة لمنتجي الجلديات من حرفيين وصناعيين..
مشكلات إضافية
إلى جانب ذلك يشير ثلجه إلى أن نقص المياه في المدينة الصناعية بعدرا كان من العوامل التي أثرت على عمل الدباغات وزادت في عبء تكاليف الإنتاج حيث كان الحرفي يضطر لشراء صهريج الماء بقيمة 13 ألف ليرة سورية، هذا إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة وخاصة الكهرباء..كما يساهم قدم الآلات وعدم قدرة الحرفيين على مواكبة التكنولوجيا الحديثة في تراجع واقع هذه المهنة بالنظر إلى ما تشهده الدباغة اليوم من تطور في عدد من الدول لجهة الآلات الحديثة والتقنية الجديدة المعتمدة في دبغ وتهيئة الجلود للتصنيع..
شبح الاستيراد
جوزيف جوزيف أمين سر اتحاد دمشق للجمعيات الحرفية أشار إلى أنه ورغم ظروف الحرب العدوانية على سورية وسنواتها الطويلة لاحظنا أن حاجة أسواقنا المحلية من مختلف المنتجات كانت متوافرة وبكثرة بحيث لم يكن هناك نقص في أي من احتياجات المستهلكين سواء الألبسة أو الأحذية أو الأغذية أو المفروشات وغيرها، الأمر الذي يشير إلى استمرار العمل والإنتاج رغم الظروف الضاغطة، ولفت جوزيف إلى أنه وفيما يخص حرفتي الدباغة وصناعة الأحذية هناك جملة من المحاذير التي أثرت بشكل كبير عليها وحالياً بدأت آثارها السلبية تظهر بشكل واضح, وأهمها موضوع السماح باستيراد الأحذية من الصين وغيرها رغم أن الإنتاج المحلي يكفي حاجة السوق وهناك فائض كبير قابل للتصدير فيما لو كان الأمر متاحاً بظروف أفضل.
وأكد جوزيف ان ما يجري اليوم يؤدي في المستقبل القريب إلى القضاء على أعداد كبيرة من الورش والمنشآت الصناعية المنتجة للجلديات (دباغة وأحذية وحقائب) بسبب المنافسة غير العادلة من المنتجات المستوردة والتي لا تصل إلى جودة المنتجات السورية وتباع بأسعار أقل أحياناً من المنتج المحلي..وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة حجم البطالة وتوقف عدد من المهن والأعمال المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بهذه الحرفة.
مطالباتنا مستمرة
وكنا في اتحاد دمشق للجمعيات الحرفية قد طالبنا مراراً بعدم السماح باستيراد المنتجات التي يوجد مثيل لها من إنتاجنا المحلي ولدينا منها ما يفي بحاجة الأسواق المحلية وخاصة الأحذية بمختلف أنواعها بما فيها الرياضية، وكذلك الحقائب النسائية والمدرسية وحقائب السفر، إلى جانب الألبسة والأثاث المنزلي والمفروشات والصابون والمنظفات والسكاكر والشوكولا وغيرها..
إلا أن هذا الأمر اليوم يشكل عبئاً على المنتجين حيث نجد في أسواقنا المحلية الكثير من السلع والبضائع المستوردة ورخيصة الثمن نظراً لعدم توفر شروط الجودة والمواصفات المطلوبة فيها، وهذه تلقى رواجاً لدى المستهلك الذي يعاني أيضاً من ضعف القدرة الشرائية للدخل، وعدم كفاية هذا الدخل لتأمين مختلف مستلزمات حياته اليومية فتجده يلجأ إلى السلعة الأرخص..
خطر (المشمع)
ويشير جوزيف هنا إلى ناحية جداً هامة وهي أنه في عام 1993 ورد كتاب من منظمة الصحة العالمية يحذر من ما يسمى اليوم (الجلد الصناعي) وهو لا يعدو كونه (مشمع) بالمعنى الحقيقي له لأنه مصنوع من مواد بلاستيكية ضارة، ذلك أن هذا النوع من المشمع يؤدي إلى الإصابة بالسرطان وإلى أمراض جلدية مختلفة نظراً لتماسه المباشر مع جسم الإنسان، وفي حينها خاطبنا الجهات المعنية وطلبنا التعميم بعدم السماح بإنتاج أو تصنيع أو استيراد مثل هذه الأنواع من الأحذية، لكننا اليوم نجدها حاضرة وبقوة في مختلف الأسواق وعلى البسطات وفي واجهات المحلات دون أي رادع أو وازع..
الاستجابة لمطالب الحرفيين
إن أكثر ما يحتاجه الحرفي والصناعي هو أن يتم الاستماع لمطالبه والشعور بما يعانيه من مشكلات تؤثر على العملية الإنتاجية وتدفع باتجاه إغلاق العديد من المنشآت التي باتت تشهد منافسة قوية من المنتجات المستوردة، إلى جانب تأثير بعض القرارات على التصريف، فأي حرفي لا يجد سوقاً لتصريف منتجاته سيخسر وبالتالي سيتوقف عن العمل.

 

محمود ديبو
التاريخ: الاثنين 28-1-2019
الرقم: 16895