ظاهــــــــرة التســـــــــــــــــــــــــــول.. حلول بين العقوبـــات الرادعة والتعــــــــــــــــــــــــاون لمعالجتهـــــــــــا

أطفال ونساء ورجال وعجزة ومعاقون.. نراهم في مختلف الشوارع والأسواق وعند الإشارات الضوئية، قرب أبواب الجامعات والأنفاق، وأمام المطاعم والأماكن التي يكثر فيها الناس والزوار، يستجدون المارة طوال ساعات النهار حتى آخر الليل. يروون قصصا عن أوضاعهم المزرية ويستجدون عطف الناس بكلمات وعبارات مؤثرة.
التسول ظاهرة قديمة في وجودها وجديدة في شكلها وحيثياتها، سجلت ارتفاعا مضاعفا عما كانت عليه قبل سنوات الحرب بحسب تصريحات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ولكثرة المشاهدات والمظاهر المتنوعة لأشكال وأنواع التسول كان من الصعب حصر القصص والمشكلات التي تدور مع حركة المتسولين وما تخلفه هذه الظاهرة من أثار سلبية على الأطفال الذين هم في سن التعليم الإلزامي ليكون الشارع هو مدرستهم البديلة..

صور مختلفة
رغم التردي الكبير للواقع المادي لدى الكثير من الأفراد إلا أنه ليس كل أنواع التسول ناتجاً عن الحاجة أو الفقر، فالكثير ممن نصادفهم لا يتسولون لكي يعيشوا, بل هي مهنتهم، والصور التي تقفز إلى أذهاننا كثيرة والتجارب التي حدثت معنا ومع أشخاص نعرفهم لا تعد ولا تحصى، ففي كل شارع يمكن أن نرى صورة جديدة وقصة تحاكي الواقع في بعض تفاصيلها...
بالتأكيد الجميع شاهد تلك المرأة التي كانت تجلس أمام كلية الحقوق في البرامكة وتضع بجانبها ثلاثة أطفال رضع بأعمار متساوية أو متقاربة بطريقة تبدي حالتهم المزرية من الجوع والمرض، وربما الكثير شاهد تلك المرأة التي تبلغ حوالي الستين من عمرها أمام مشفى المواساة تطلب مالا لكي تعود إلى الحسكة، حيث تكرر طلبها في اليوم مئات المرات ولا نعلم إن عادات إلى الحسكة.
وتلك المرأة التي تحمل طفلاً صغيراً مغموراً بالأقمشة لا يظهر من جسده شيء سوى قدمه المتدلية, حتى إنها لم تترك له مجالاً للتنفس وكثيراً ما كنت أعتقد أنه طفل ميت, تسير وهي حافية القدمين بثوب طويل تنادي بصوت عال ولحن غناء حزين يحبذه الناس لإعطائها رغم قناعتهم بأن هناك شيئا غير عادي في طريقة تسولها.
متسول عمره 45 سنة يجلس في إحدى الحدائق طوال النهار قادم من أرياف حلب على حد قوله، ويؤكد أن التسول مصدر رزقه الوحيد ولا يمكنه العمل، ولم يبق لديه معيل, وفي ساحة المحافظة رأينا فتاة عمرها 13 سنة تقول: إن والدها متوفى وأمها مريضة وقد تركت المدرسة بهدف البحث عن المال، ولا تحس بأي حرج من الناس بل على العكس تبقى تلح على المارة حتى يعطوها ما فيه النصيب، تجول الشوارع حتى وقت متأخر غير آبهة بمخاطر ذلك.
أساليب متطورة وحلول ضبابية
هناك العديد من الأشخاص الذين واجهوا هذه الظاهرة المؤسفة ووجدوا أنفسهم أمام قضية شائكة لا يتحملها العقل بعد أن أخذ التسول هذا المنحى الغريب فعدد كبير منهم يلجأ إلى المنازل حاملين معهم نسخاً من الشهادات الطبية بلغات أجنبية مختلفة صادرة عن مستشفيات وعيادات طبية وهمية تشير إلى إصابتهم هم أو أحد أفراد عائلتهم بأمراض خطيرة وتكلفة العلاج عالية.
وعليه يرى العديد من الاختصاصيين الاجتماعيين أن حلول هذه الظاهرة لا تزال ضبابية، ولا نستطيع أن نؤكد أن جميع المتسولين هم من الممتهنين وأنهم ليسوا بحاجة للمساعدة، وبالوقت نفسه ليس الإحسان إلى هؤلاء الناس هو الحل المثالي للمشكلة؟ ولا يكفي أن نأخذ المتسول أو المشرد إلى مركز المكافحة أو إلى أحد معاهد الأحداث ونحتجزه لمدة معينة ثم نتركه يعود إلى الشارع أي لنفس الظروف التي جاء منها. وفي كثير من الأحيان بعد أن تجمعهم الشرطة, تضعهم في أماكن لا إنسانية, وجودهم فيها مع ما يتعرضون له من تعنيف يكرس الظاهرة ولا يساهم في حلها.

لحماية الأطفال
يتضمن النص القانوني رقم 16 لعام 1975 على إنشاء دور ومكاتب لمكافحة التسول وأهم بند في هذا القانون هو إيواء الذين يتسولون في الشوارع, وعليه تم بناء دار المتسولين بمنطقة الكسوة لمدينة دمشق وريفها- ومكاتب مكافحة موزعة في كافة المحافظات.. ومهمة الدار توفير الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية للنزلاء من كافة الأعمار.
وبحسب مصدر في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل: إن القانون بقي على حاله طوال السنوات الماضية, إلى أن جاء القانون رقم ١٦ لعام 2003 منع توقيف الأطفال الذين أعمارهم دون عشر سنوات, والوزارة حالياً بصدد تعديل قانون الأحداث لحماية الطفل المعرض لخطر الانحراف مهما بلغ سنه.
الواقع الجديد للظاهرة
من جانبها أكدت مديرة الخدمات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ميساء ميداني في لقاء سابق معها حول نفس الظاهرة: أن هذا الموضوع لم يكن قبل الحرب بالصورة الواضحة التي نحن فيها حاليا إذ كان هناك تسول وليس تشردا, ولكن خلال الحرب أصبحت حالات التشرد واضحة بسبب ظروف التهجير والانتقال من مكان إلى آخر وبسبب عدم وجود مكان مناسب للإقامة وفقدان المعيل وعدم وجود إمكانية لإيجاد سكن مناسب.
وأن الأسباب قبل الحرب تختلف عنها بعدها حيث كان الفقر هو المسبب الأول للتسول بالإضافة لعدم وجود معيل أو مهنة أو دخل، الأمر الذي يؤدي لدى بعض الناس إلى ممارسة التسول كامتهان. إلا أننا بعد الحرب أصبحنا أمام حالات تسمى أطفال الشوارع وهؤلاء فقدوا الأسرة القريبة والبعيدة، وحاليا نشاهد أما مشردة مع أطفالها ليس لهم معيل، ونجد مسنا ومسنة ليس هناك من يعتني بهما، ونجد الكثير من حالات الإعاقة والأشخاص الذين يستغلون إعاقتهم لكسب المال وعلى الأغلب يعود ذلك لغلاء الأسعار وفقر الحال.
وبينت ميداني: أنهم يقومون بتنظيم حملات لمكافحة التسول وإيجاد أماكن لتقديم الرعاية لهذه الحالات، والعمل على لم الشمل في حال كان هناك ضائع, ويتم أخذ الحالات من الشارع من خلال حملات منظمة, لنقلهم إلى دور التسول عن طريق موظف من الوزارة يحمل صفة الضابطة العدلية حتى يستطيع أخذ هؤلاء من الشارع, ومعه مفرزة شرطة للمؤازرة.
مبدأ إدارة الحالة
أدخل مبدأ إدارة الحالة إلى عمل الوزارة ككل ومن ضمنها إلى دائرة مكافحة التسول وهي عبارة عن استمارات للإبلاغ والرصد والإحالة. تنفذ بشكل مؤتمت ويصبح لكل منها رقم، وقد تم تدريب موظفي إدارة الشؤون على نظام إدارة الحالة وتدريب الجمعيات على اعتماد الحالة بالتعاون مع هيئة شؤون الأسرة، ضمن دليل تدريبي.
ووفقا لمبدأ إدارة الحالة فإن مكافحة التسول هي مهمة الدولة ككل وليس وزارة الشؤون فقط بما فيها الجمعيات والقطاع الخاص حيث يتم تسريع الإجراءات وتوضيح من هو المسؤول عن الحالات وأين يتبع ويحدد تطور الحالة كل عام يأتي لنا إحصائية عددية ولكن المهم الوصول إلى الفرد وتتبع هذه الحالات عن طريق إدارة الحالة ومن خلال ذلك نقدم الاحتياجات المطلوبة للأفراد.
وكانت قد أكدت رئيس دائرة الدفاع المدني في الوزارة السيدة هبة: على وجود عقد شراكة مع جمعية حقوق الطفل لمعالجة الحالات الخاصة بالأطفال وقدمت لهم الوزارة معهدين، الأول للذكور في قدسيا وآخر للإناث بباب مصلى. وحتى لا يتم خلطهم مع أعمار أخرى أقامت الوزارة مراكز استضافة موجودة في كل المحافظات بالتعاون مع الجمعيات الأهلية ومنها الـ sos واليونيسيف التي تقدم لهم المكان والتدريب.
خدمات
وتحدث المعنيون في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن إخلاء معهد الكسوة من الأسر المهجرة والإيواء والتي كان عددها 170 أسرة، وخصص لإقامة أربع خدمات: الأولى للبالغين بهدف تعليمهم مهنة، والثانية للمسنين المشردين والمسنات حيث خصص لهم كتلة في البناء مؤلفة من طابقين ومجهزة بأسرة وأجهزة طبية. تقدم لهم الخدمات إلى الفترة التي يحتاجونها، وهناك خدمات مخصصة للنساء مع أطفالهم ممن ليس لديهم معيل، ويوجد دار لتشغيل المتسولين بعد تدريبهم على مهنة معينة.
لا يوجد إحصائيات
بشكل عام لم تعلن الوزارة عن الإحصائيات المتعلقة بالظاهرة ولكن تبين دائرة مكافحة التسول أنه خلال شهر رمضان الماضي تم أخذ 100 حالة عن طريق الحملات، وأن المشكلة تزداد خلال فترة الأعياد. وأشارت رئيس دائرة الحالة أنهم بحاجة للتعاون مع القضاء لإبقاء الحالات لكي يتمكنوا من دراستها وحتى لا يعودوا إلى الشارع مرة ثانية.
على مستوى المحافظات
بالطبع ليس الجميع محتاجا فهناك شيء ممتهن وتم القبض على عصابات تعمل على تشغيل الأطفال بالقوة في منطقة قدسيا وفي جرمانا، كما تم القبض على امرأة لديها أطفال تشغلهم بالتسول وهناك أب لديه تسعة أولاد يقوم بتشغيلهم بالتسول على الرغم من أنه يمتلك بناية بمساكن برزة، هذا ما تم ذكره من قبل دائرة مكافحة التسول وقد طلبوا تفعيل دوائر مكافحة التسول في جميع المحافظات وإقامة مراكز إيداع في حمص وحلب. ففي حمص خصص جزء من مركز الأحداث لاستقبال حالات التسول، وفي طرطوس يتم الاعتماد على جمعية قرى الأطفال التي أقامت مركزا لاستضافة المتسولين، وفي حلب أقامت جمعية من اجل حلب مشروعا لاستقطاب الأطفال المتسولين، وفي دمشق يوجد معهد للجانحات بالإضافة إلى دار الكسوة الذي يستقبل حالات دمشق وريفها.
بين العقوبات والمشاريع
وجهت الحكومة مؤخرا إلى كل الوزارات المعنية للاهتمام بموضوع التسول بحسب طبيعة ما يمكن تقديمه، فكان لوزارة العدل طرح بتعديل العقوبات وفقا للمواد التي تبدأ من 596 إلى 604 هي كلها تتحدث عن معالجة ظاهرة التسول بكل أبعادها وقد تم تشكيل لجنة بالتعاون مع الوزارتين لتعديل هذه المواد والتي نتج عنها ضرورة تشديد العقوبات والغرامات حتى تكون رادعة.
ويبدو أن الأمر لا يقتصر على العقوبات فهناك توجه نحو فكرة مشاريع متناهية الصغر عن طريق صندوق المعونة الاجتماعية، وبحسب مديرة الخدمات الاجتماعية في الوزارة فقد وصل المبلغ المقدم من الصندوق إلى ملياري ليرة لتشغيل هذه المشاريع وهناك شراكات أهلية مع منظمات دولية موجودة في البلد مثل المعهد الأوروبي والدانماركي حيث يقدم هؤلاء تدريبا مهنيا للأفراد وأدوات للتدريب، في إشارة إلى أن الوزارة لوحدها غير قادرة على تقديم هذه المساعدات والخدمات.
ليس تهربا
أحدث مكتب التسول في الكسوة لتشغيل المتسولين والمتشردين بدمشق ولكنه توقف عن العمل خلال فترة الحرب وتحول إلى مركز إيواء للمهجرين على مدار سبع سنوات ليعود من جديد في العام الماضي إلى خدماته الأساسية بعد أن تم تأهيله وتفعيل الضابطة العدلية بالتنسيق مع مديرية ناحية الكسوة التي تقوم بجولات مختلفة ليلا أو نهارا لملاحقة الأشخاص الممتهنين للتسول.هذا ما أكدته مديرة الشؤون بريف دمشق الأستاذة فاطمة رشيد مشيرة إلى أن الوزارة لم تتهرب من هذه المسؤولية فهي تحمل جزءا مهما مع وزارة الداخلية التي تعتبر شريكا أساسيا في مكافحة الظاهرة ووزارة السياحة ووزارة العدل ثم يأتي دورها عندما تنتهي هذه الإجراءات كلها و يحول المتسول إليها.
لا وقت للتأهيل
لا تنتهي المشكلة بمجرد القاء القبض على المتسول وبخاصة إذا كان سلوكه ناتجا عن حاجة وعدم رعاية، وأول ما يمكن أن يسأل عنه هو طبيعة المساعدة وإمكانية التدريب على مهنة معينة؟ وعليه تحدثت مديرة شؤون الريف عن وجود دراسة اجتماعية تقوم بها الدار لهؤلاء الأشخاص قبل تحويلهم إلى القضاء و يتم العمل على مساعدة كل حالة بحسب ظروفها، إلا أنه من الصعب العمل على موضوع المهن والتدريب في الدار لان العدد غير ثابت وقد لا يستمر وجودهم إلا لفترة قليلة لا تكفي للتأهيل والتدريب.
إجراءات
يوضح القانون رقم 15 الوضع العام لعمل المديريات، ومن يحتاج بالفعل إلى مساعدة، يحول إلى أقرب جمعية لتقدم الخدمات له بحيث لا يحتاج للعودة إلى الشارع مرة ثانية وكل جمعية في مناطق وجودها تعالج الحالات التي تتواجد في تلك المنطقة.
خطوات مستقبلية
تعمل الوزارة على تفعيل مكتب آخر لرصد حالات التسول والتشرد في دمشق بهدف تكثيف الجولات بسبب وجود الظاهرة بشكل أكبر من الريف، وقد تم تشكيل فريق رصد من قبل الوزارة: وقد تم إشراك المجتمع الأهلي للمساعدة في رصد هذه الحالات وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والمهني لهذه الفئة وتقديم الرعاية بشكل خاص للأطفال من خلال جمعية حقوق الطفل.
التاريخ: الأحد 17-2-2019
رقم العدد : 16911