نتيجة للحاجة المتزايدة.. مركز إعادة التأهيل والأطراف الصناعية في مشفى ابن النفيس..تقنيـــــات نوعيـــــة مجانيـــــــة بأيــــــادٍ وطنيــــة..


لا يوجد إحصائيات دقيقة حول عدد الأشخاص المحتاجين إلى أطراف صناعية في سورية حتى الآن، وعلى الرغم من أن هناك من يتحدث عن مليون ونصف المليون مصاب خلال سنوات الحرب على سورية، أصبحوا يعانون من إعاقات تتعلق بالأطراف سواء من العسكريين أم المدنيين. إلا أن الإنتاج المحلي ووجود مراكز متخصصة في هذا المجال أعاد الأمل لآلاف المصابين في متابعة حياتهم بعد أن كانت كابوساً مخيفاً.
بمواصفات عالمية
في الواقع قصص كثيرة، لا تنسى للعشرات ممن أصيبوا في معارك الدفاع عن الوطن أو بتفجير إرهابي، أو تعرضوا لحادث ما وفقدوا أطرافهم، وكادت حياتهم وأعمالهم أن تهمش بالكامل لولا وجود فرصة جديدة من خلال تركيب عضو اصطناعي وبخاصة بعد أن أصبحت هذه الأطراف تصنع محلياً وفي مراكز حكومية ومركز إعادة التأهيل والأطراف الاصطناعية في مجمع مشفى ابن النفيس أهمها على مستوى الخدمات المقدمة للمدنيين. حيث يستقبل المركز حسب مديرته الدكتورة رفيف ضحية حالات بتر الأطراف العلوية والسفلية وتجري الدراسات العلمية والطبية اللازمة لكل حالة ليتم بعدها تصنيع الطرف المناسب داخل المركز ولكل مستويات البتور بمواصفات عالية الجودة وحسب المعايير العالمية وبإشراف فنيين متخصصين ما يساعد المصابين وفاقدي الأطراف للعودة إلى حياتهم العادية وممارسة نشاطهم المعتاد.
مقارنة خدمية
يلجأ عشرات الأشخاص من مبتوري الأطراف من كافة المناطق والمحافظات السورية إلى مركز إعادة التأهيل والأطراف الاصطناعية في مشفى ابن النفيس الذي يستقبل في اليوم 15 مريضاً ما بين قادم لأخذ موعد أو لتركيب طرف صناعي وهو المركز الوحيد في سورية الذي يقدم خدماته مجانياً بالكامل، وتؤكد مديرة المركز أنهم عملوا على تقسيم العيادات إلى يومين في الأسبوع لاستقبال المرضى إلا أنهم ونتيجة الضغط والحالة الإنسانية للكثير من الأشخاص الذين يأتون من المحافظات الأخرى فهم يستقبلون المرضى في كل الأيام ولجميع الحالات.
وبينت خصوصية ودقة التصنيع التي يحتاجها كل طرف مع مقارنة خدمية بسيطة بين ما تقدمه وزارة الصحة في هذا الجانب وبين القطاع الخاص إذ إن الأطراف الصناعية ليست رخيصة الثمن، ففي المراكز والمشافي الخاصة، قد تتراوح بين 400 إلى 600 دولار بحسب الطرف المبتور، وعلى سبيل المثال فقد تصل تكلفة الطرف العلوي فوق الركبة إلى أكثر من مليون ليرة سورية، وتكلفة طرف تحت الركبة إلى ما يقارب 500 ألف ليرة سورية، وهي تختلف من حالة إلى حالة أخرى بينما تقدم هذه الخدمات في المركز مجاناً وفقاً لمرسوم السيد الرئيس بشار الأسد.
المرسوم 619
يواصل المركز تقديم خدماته في التصنيع المحلي والتركيب والصيانة وإعادة التأهيل منذ إحداثه عام 2014 كهيئة مستقلة، وبحسب الدكتورة ضحية: تأسس مركز الأطراف الصناعية منذ عام 2004 وفقاً للمرسوم رقم 619 الذي أصدره السيد الرئيس بشار الأسد عام 2001 الذي ينص على تصنيع الأطراف الصناعية للمدنيين السوريين ومن بحكمهم على نفقة وزارة الصحة مجاناً، إلا أنه لم يتم تفعيل المعمل حتى عام 2014 بسبب الحرب وازدياد حالات المدنيين المبتورين، وقبل ذلك كان يتم تصنيع الأطراف الصناعية للمدنيين في وزارة الدفاع على نفقة وزارة الصحة وهذا الأمر استمر لسنوات طويلة، حتى وصلت الأمور لدرجة لم تستطع فيها وزارة الدفاع تغطية الحاجات المتزايدة لأعداد المحتاجين للأطراف الصناعية من عسكريين ومدنيين، وعليه تم تفعيل المعمل مرة ثانية لتصنيع وتصليح علوي وسفلي.
جميع أنواع التصنيع

وبينت أن الأعداد أصبحت كبيرة جداً خلال السنوات الأخيرة، حيث يراجع المركز مرضى من كافة المحافظات من أعمار مختلفة، يعانون من حالات بتر بمستويات عديدة، وهو الأمر الذي دفعنا للتدرب على بعض المستويات التي لم نكن مدربين عليها كثيراً وتصنيع جميع أنواع الأطراف وبكافة المستويات وتأمين المواد اللازمة لتصنيعها، على الرغم من المعاناة في ذلك بسبب الحصار الاقتصادي، إذ إن وزارة الصحة لم تقصر في تأمين المواد للازمة لهذه الصناعة وتأمين الخدمة مجاناً للمواطنين الذين نستقبلهم مع صورة هوية فقط للكبار وصورة عن صفحته في دفتر العائلة للمريض الطفل، مشيرة إلى أن المريض يصبح جاهزاً لتركيب الطرف بعد عملية البتر بأربعة أشهر، في حال لم يكن يعاني من مشكلات عظمية أو عصبية. وفي البداية تأخذ قياساته، ثم يصنّع الطرف الذي يصبح جاهزاً للتركيب خلال أسبوع واحد، إلا أن المرضى بمعظمهم يكونون في حاجة إلى معالجة فيزيائية قبل التركيب وبعده، حتى يصبحوا قادرين على استعمال الطرف الجديد.
مستمرون
في المركز يعمل اليوم 17 شخصاً ما بين صحيين وفنيين وعامل فني، بعد أن كانوا خمسة أشخاص قبل عامين من الآن وهو رقم يعمل ويؤدي الغرض، نظراً للمهارة والخبرة التي يمتلكونها، كما تحدثت الدكتورة ضحية مشيرة إلى تصنيع وإصلاح ما بين 70 حتى 80 طرفاً خلال شهرين في العام الماضي، وإلى استمرار الدورات العلمية والفنية للعمل على رفع سوية العاملين بشكل فعال، مع المساعي لحل مشكلة ضيق المكان الذي لم يعد يتناسب مع الخدمات الكبيرة المطلوبة من المركز وذلك من خلال تأهيل وإكساء المبنى المجاور للمركز والذي تم تخصيصه ليكون مركزاً تأهيلياً ضخماً، يتم فيه تحديد قسم إعادة التأهيل والمعالجة الفيزيائية، في حين يحول المركز القديم بالكامل إلى معمل للأطراف الصناعية.
تأهيل الإعاقات الحركية
وتشير الدكتورة ضحية إلى أن عمل المركز لا يقتصر على تركيب الأطراف الاصطناعية، بل تدريب المصابين وإعادة تأهيلهم وتقديم العلاج الفيزيائي والحركي المناسبين، قبل تركيب الطرف الصناعي وأثناء وبعد، وهذا أمر يقدمه المركز عن طريق معالجين مختصين، بل هناك أكثر من خدمة منها إعادة تأهيل الإعاقات الحركية للأطفال والتي لا توجد إلا في مركزنا وقد تأسست عام 2006 ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن استقبل المركز أكثر من 1987 طفلاً وحوالي 2120 جلسة معالجة فيزيائية وبالتالي مريض البتر إذا راجع المركز ولديه وذمة ولم يكن مؤهلاً لتركيب المفصل نقدم له هذه الخدمة عن طريق الخبراء الموجودين في المركز، وأثناء التصنيع والتدريب على الطرف يتم تأهيله فيزيائياً، ثم يتم تدريبه على استخدامه ونزعه وغسله وبالتالي عملية التأهيل الفيزيائي مترافقة مع التصنيع ولا يستغرق وقتاً كثيراً حيث يعود الشخص إلى حياته الطبيعية مجرد أن يخرج من المركز قدر الإمكان وبحسب حالته وعلى سبيل المثال هناك أطفال وشباب قدموا إلى المركز لا يذهبون إلى المدرسة لا يلعبون مع رفاقهم لا يندمجون بالمجتمع، لكنهم خرجوا من المركز مؤهلين ومدربين، وعادوا إلى جامعتهم ومدارسهم وعملهم.
نموذج إحصائي
تحدث الفنيون في المركز عن انتشار حالات الأطراف السفلية أكثر من العلوية بكثير، وغالباً ما تكون الإصابة بسبب الأحداث حالياً، أو تشوه خلقي أو بسبب مرضي (مرضى السكري ومرضى انسداد الأوعية)، وبحسب إحصائيات المركز فقد تم إعادة تصنيع 268 طرفاً سفلياً و16 طرفاً علوياً و75 طرف إصلاح خلال عام 2014 ومنذ هذا العام وحتى تاريخ 2017 تم تصنيع ما يقارب 1500 طرف، وقد ارتفع العدد خلال عام 2018 مقارنة مع عام 2014 حيث تم تصنيع 305 أطراف سفلية و75 طرفاً علوياً و45 طرف إصلاح، وأرسل المركز 36 طرفاً إلى مشفى حاميش على نفقة وزارة الصحة. وبين هؤلاء أن النسبة الأكبر للمصابين لها علاقة بالمناطق التي كانت تسطير عليها المجموعات الإرهابية، وعدد المراجعين له علاقة بالمناطق المحررة، وكلما حرر جيشنا الباسل منطقة تأتي منها أعداد كبيرة من المواطنين المحتاجين لأطراف صناعية وأغلبها بسبب عقوبات إقامة الحد، وعلى سبيل المثال كان في البداية دمشق وريفها، وأعداد كبيرة من مدينة البوكمال بعد أن تحررت وهناك أسر كاملة تعرضت لوحشية داعش.
جديد المركز
تحدثت إدارة المركز عن شراء آلة جديدة لزيادة جودة العمل والسرعة، توفر الجهد لتصنيع الأطراف بالتعاون مع بعض المنظمات، بالإضافة لاستكمال المبنى الجديد، الذي رصد له ميزانية كبيرة من قبل الحكومة وهو يضم كافة أنواع التأهيل للأطفال والكبار وتأهيل إصابات النخاع الشوكي والتأهيل المائي، بشكل متطور، وبينت الدكتورة ضحية: أنه لا يوجد انتظار كبير على الدور، وبخاصة بعد أن أقمنا مسابقة ورفدنا المركز بعدد كبير من الفنيين، ما ساعد في تسريع تقديم الخدمات والتصنيع بشكل عام. ولكن المشكلة بالأشخاص الذين يراجعون المركز لتصنيع الطرف الصناعي ثم يسافرون، ويصعب التواصل معهم في الريف الشمالي، فهناك عدد كبير من الأطراف المتراكمة في المركز التي تنتظر عودة أصحابها.
حتى لا نخسرهم
رغم الخدمات المهمة التي يقدمها العاملون في المركز وبخاصة الفنيين العاملين في تصنيع الأطراف الصناعية، إلا أنهم لا يحصلون على طبيعة عمل مناسبة أو مكافأة شهرية على الأقل، شبيهة بالتي تقدم حالياً لفنيي التخدير والمخبريين، لأن هؤلاء وبحسب إدارة المركز يتعاملون مع مكنات وآلات خطرة ومواد مؤذية للتنفس ولديهم الكثير من المغريات في القطاع الخاص وبالتالي ليس من المنطقي أو المعقول أن يتم تدريبهم وتعليمهم في القطاع العام، ومن ثم يتسربون متوجهين إلى القطاع الخاص بسبب نقص الحوافز في مراكزهم.
مراكز أخرى
لا يتوقف موضوع الأطراف الاصطناعية على خدمات مركز إعادة التأهيل في مبنى ابن النفيس فهناك مراكز حكومية أخرى في سورية توفر الخدمات من خلال مركزين للخدمات الطبية العسكرية بدمشق وطرطوس ومركزين لوزارة الصحة بدمشق وحمص فضلاً عن مركز لمنظمة الهلال الأحمر العربي السوري بدمشق وآخر بحمص بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وثلاثة مراكز تابعة لجمعيات أهلية بدمشق، وجميعها توفر العلاج الطبي والنفسي المتعلق بالأطراف الصناعية.

 

ميساء الجردي
التاريخ: الاثنين 8-4-2019
الرقم: 16951