ميثولوجيــا الريــح وحقائـــق التاريـــخ تبـــدد الأباطيــــل..الجـــــــــولان قلـــــب ســـــــــورية وبوصلــــــــة الحـــدث..



أجمل التاريخ ما كان غدا.. لم يكن سعيد عقل حين التقط اللحظة الفارقة هذه إبداعا ورؤى، لم يكن يكتب سطرا في مهب الريح يمضي وينتهي.. لكنها التماعة دهر من الصبر والاناة على قمم الحرمون الجبل اللاعب بالريح والحقب..
الجولان الارض العربية السورية أبدية الهوية أزلية الوجود، كثيرون يرون انها جغرافيا وتاريخ وأرض محتلة يجب أن تستعاد ولايدرون أن ثمة ما هو أبعد من ذلك وأعمق غورا..
التاريخ الذي يكتب غدا للعالم كله ثمة قلم يخطه ببياض الثلج ودفء وإيمان من يدفع بعمود النور ليبقى ركيزة السماء لئلا تنكسر على الأرض..
سورية في الإيمان النوراني الحق عمود السماء ولن ينكسر وفي الطريق إلى دمشق أبصر بولس النور..
وقلب العمود وركيزته هذا الجبل اللاعب بالريح والحقب.. يحدد مصير العالم.. ليس هذا كلاما إنشائيا ولا هو من فراغ إنها حقائق التاريخ والجغرافيا وركيزتهما..

الجولان الأرض العربية السورية كانت منذ أن وعى العربي وجوده معه بكل شيء.. هي في اللغة والشعر والمعاجم.. جاء في لسان العرب:
والجول: الحبل, وربما سمي العنان جولا. الليث: وشاح جائل وبطان جائل وهو السلس. ويقال: وشاح جال كما يقال كبش صاف وصائف. والجول: الوعل المسن; عن ابن الأعرابي، والجمع أجوال. والجول: شجر معروف. وجولى - مقصور -: موضع. وجولان والجولان - بالتسكين-: جبل بالشام, وفي التهذيب: قرية بالشام ; وقال ابن سيده: الجولان جبل بالشام، قال: ويقال للجبل حارث الجولان ; قال النابغة الذبياني:

بكى حارث الجولان من فقد ربه
وحوران منه موحش متضائل
جمع الجبل بما حوله أو جعل كل جزء منه أجول. والمجول: الفضة; عن ثعلب. والمجول: ثوب أبيض يجعل على يد الرجل الذي يدفع إليه الأيسار القداح إذا تجمعوا. التهذيب: المجول الصدرة والصدار، والمجول الدرهم الصحيح. والمجول: العوذة. والمجول: الحمار الوحشي. والمجول: هلال من فضة يكون في وسط القلادة. والجال: لغة في الخال الذي هو اللواء ; ذكره ابن بري.

وجاء في معجم المعاني:
الجَوْلان: ما تَجول به الريحُ على وجه الأَرض من تُراب وحَصىً.
جالَ / جالَ بـ / جالَ في يَجول، جُلْ, جَوْلاً وجَوَلاناً وجَوْلةً, فهو جائل, والمفعول مجُولٌ به:
جال الشَّيءُ ارتفع:- للباطل جَوْلة ثم يضمحلّ [مثل].
جال به: طاف به:- فَجَالَتْ بِهِمْ حَتَّى قَذَفَتْهُمْ فِي جَزِيرَةٍ [حديث].
جال الأمرُ بنفسه / جال الأمرُ في نفسه: تذكّره, تردّد, فكّر فيه:- رأى الدَّهشة تجول في وجه صديقه:
جال الدَّمعُ في عينيه: كانت عيناه مغرورقتين بالدموع.

قلب سورية وبوصلة العالم
سورية صلة الوصل بين قارات العالم وهي الجسد الذي تكالبت عليه قوى العدوان ولكنها بقيت الأقوى وظل قلبها الجولان ومنها إليه حبل الوتين.. وشريان الحياة يبقى الندى.. من شرق سورية إلى جنوبها وغربها وشمالها العدوان المستمر منذ ما يقارب قرنا من الزمن غايته حصار الجسد والوصول إلى القلب الجولان.. فأباطيل التوراة التي اخترعها الحاخامات تقول ان الخطر يأتي من الشمال.. من سورية القوية ولهذا نذرتها التوراة المزعومة الخراب ومضت الأباطيل والخرافات هذه تؤسس وتبني أحقادهم التي امتدت إلى الكثير من الحركات الدينية المتصهينة في الغرب ولاسيما في الولايات المتحدة الأميركية التي يظن مؤسسوها أنهم امة القطيعة مع الماضي وهم يعبرون إلى الزمن الجديد وبالتالي هم مكلفون برسالة إلهية لقيادة البشرية.. وقد يسأل أحد ما وما علاقة ذلك والجولان.. ؟.في الهوس الألفي هوس نهايات العالم على طريقة الحركات الدينية المتصهينة لابد من قيام معركة هرمجدون التي سيكون فيها صبيب النار إلى السماء.. ومكانها السهول المحيطة بالجولان..
من هنا نقرأ كيف كان العقل الأميركي المتصهين من ريغان إلى ترامب يدفع نحو هذه الخرافة ويعمل عليها وللوصول الى الجولان رسموا دربا طويلا يبدأ من اور في العراق إلى شمال سورية فنقطة القلب الجولان بوصلة العالم فكان ما كان على العراق وسورية..
والجولان هو من يحدد مصير العالم فمنه ستكون الحرب العالمية الثالثة كما تداول منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي منظرو السياسة الأميركية.... فحسب معتقداتهم لابد من هرمجدون.. وهنا يتجلى السر في تعاضد شرور وإرهاب عمره منذ ان كان الغزو الأبيض للعالم الجديد وبعده ما تأسس من ممالك وكيانات غاصبة..
وبالمقابل فثمة من يسند عمود النور الابدي.. انه الايمان بالأرض بالإنسان بالقيم..
وفي الطريق إلى محاولة طمس قلب سورية كان تدمير التاريخ وشواهده من بابل إلى تدمر وإيبلا وما جرى شمال سورية..
قلب سورية وبوصلة العالم.. لم يكن الا نقطة الاستهداف الاخيرة لطمس درب بولس ونوره وهذا ليس إنشاء فهذه حقائق التاريخ تقول: ان النور الذي شع في العالم كان منه ومن الغساسنة العرب.
كنيسة العرب المنسية
تحت هذا العنوان ثمة دراسة مهمة جدا صدرت عن دار التكوين بدمشق عام ٢٠٠٨م لتيسير خلف وفيها حفريات عن اديرة الغساسنة في دمشق والجولان وحوران ولبنان..
واذا كان لابد من الاستعراض لبعض ما جاء في حفريات الكتاب وتوثيقه الوجود العربي الذي يحاولون اغتياله فيمكن الحديث بإيجاز عن بعض هذه الاديرة.
طورا حرثا أو حارث الجولان
قبل أن نعرض بعضا مما قدمته الحفريات.. حقنا أن نسأل أنفسنا أولا هل نعرف لماذا استماتت العصابات الإرهابية لاحتلال تل الحارة الذي هو حارث الجولان أو كما يسمى طورا حرثا..
اليوم تتكشف الحقائق تماما..
جبل الحارث كما في السريانية طورا حرثا.. اي جبل الآخرة وعن جبل حرثا الذي هو تل الحارة الان جاء في معجم البلدان قرية من قرى حوران من نواحي دمشق يقال لها حارث الجولان وقال الجوهري:الجولان جبل بالشام وحارث اي الحارة قلة من قلله قال النابغة:بكى حارث الجولان من فقد ربه.. وحوران منه موحش متضائل.

وقال شاعر اخر:
روين ببحر من أمية دونه
دمشق وانهار لهن عجيج
أنحن بحوارين في مشمخرة
نبيت ضباب فوقها وثلوج
كذا حارث الجولان يبرق دونه
دساكر في أطرافهن بروج
وتل الحارة اليوم يتبع لمحافظة درعا تكثر حوله الأبنية الأثرية مثل خربة اللطيم والكفير وخربة ماما والمسطاح ودير سمعان وخان الحلابات ودير الشوك..
هذا حارث الجولان وبوابة حوران ودمشق.. لهذا كان هدفا دائما بكل عدوان صهيوني على سورية وهدفا للإرهاب.. ولكنه عاد أبيا شامخا تحرسه سواعد جيشنا البطل.
واذا ما أردنا أن نعدد عشرات المواقع والأديرة في الجولان التي أعطت العالم معنى الإيمان يمكننا أن نذكر العشرات منها مثل: حينا.. جابية الجولان.. مجدولة.. برقيا أو بريقا.. صرمان.. قسطرا.. وغيرها الكثير..
ومن المعروف أن الكيان الصهيوني منذ أن احتل قسما من الجولان بدأ بعملية التهويد ومحاولة طمس المعالم العربية فيه وعملت عصاباته على حفريات في المواقع الأثرية لكنها لم تجد ما يمكنها أن تقول انه أثر يهودي لهذا عاثت فسادا بكل هذه المواقع.. وعملت على الاستيطان وتهجير أبنائه العرب.. وتابعت مخططاتها العدوانية.. وظهر حقدها جليا واضحا فيما فعلته بالقنيطرة المحررة.
وقد استمر عدوانها بصيغ أخرى كثيرة كان آخرها ما فعله الإرهاب بالمنطقة ومحاولتها من خلاله إقامة ما أسمته حزام آمن لكنها عجزت وأدواتها عن فعل ذلك.. وكانوا قد عاثوا فسادا بكل موقع أثري وسرقوا محتوياته كما يفعل العدو التركي في الشمال وبالتعاون مع الكيان الصهيوني وبتمويل من لا يملك تاريخا وشواهد حضارة وإبداع.. من هنا جاء حقدهم على كل حضارة عربية وعملوا على تدمير آثارها واوابدها.
هذا العدوان الذي يصب بنقطة واحدة منذ أن كان إلى اليوم والغد يريد الوصول إلى دمشق التي هي قلب العالم وقمم دمشق من قاسيون إلى الجولان التي يريدون أن تكون استباحتها.. ولكنهم وهم يرتعدون خوفا يعرفون أن السوريين وحدهم من يكتب التاريخ ويلاعب الريح.. وحدهم من ينزل إلى قمم حرمون بحبال من السماء.. ولن ينسى الصهاينة الإنزال الذي أدهش العالم حين باغت مغاويرنا جنود الاحتلال في الحصون التي ظنوا أنها تحميهم.. نعم بحبال من السماء وارادة الرجال وعلى رصيد عشرة آلاف عام من الحضارة يركن السوريون إلى غدهم ويعرفون أن مصير العالم يقرر هنا، وها هم قد غيروا مساراته إلى النور فلن يقوى عليهم اي عدوان، راسخون في الجولان تفاحا وسنديانا ولوزا وقمما، وشرايننا تتجذر، الم تهب من صوب سورية الجنوب.. كما قال سعيد عقل.. أليست الجولان بنت عم الشمس عند زكي قنصل وكل سوري..
ذات يوم قال القائد المؤسس حافظ الأسد الجولان سيكون وسط سورية وهذه حقيقة لن تتغير فالتاريخ لا تكتبه او تهزمه زوابع عابرة.. واليوم يؤكد السيد الرئيس بشار الأسد الامر بثقة مطلقة حين يقول:لا خوف على اهلنا في الجولان فهم عائدون إلى حضن الوطن طال الزمن أو قصر.. وفي درب العودة هذه المعارك التي يخوضها جيشنا وشعبنا.

بين وعدين..
أشرنا إلى أن هوس الأميركيين بما يسمونه معركة هرمجدون وظنهم انهم الأمة المكلفة بقيادة البشرية جعلهم يمضون قدما نحو الأباطيل وركوبها بل تبنيها لاسيما اذا أخذنا بما يقوله مؤلفا كتاب الدين والسياسة في الولايات المتحدة وهما مايكل كوريا وجوليا ميتشل كوربت يقولان في كتابهما:استخدم الرئيس كلينتون في خطابه الافتتاحي سنة١٩٩٧م استعارة مكنية من التوراة حين قال:استرشادا بالرؤية القديمة لأرض الميعاد فلنوجه أبصارنا اليوم إلى أرض ميعاد جديد.
ومن يتابع تاريخ الرؤساء الاميركيين بدءا من جورج واشنطن فصاعدا ير كيف اعتمدوا على الحس الديني ليس للتأثير على عقول الشعب فحسب بل على أفئدتهم لتأييد الأهواء الرئاسية.
إذن فالدين والسياسة شكلا نسيجا متداخلا عبر تاريخ الولايات المتحدة..
من هنا يكون جنون ترامب ووقوعه بفخ الأباطيل التي زرعها الصهاينة في العقل الأميركي وكان ما أسماه اعلان الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان وكأنه كما قالت الصحف العبرية يعيد ميراث يهوه بما قطعه على نفسه من عهد أن يعطي هذه الأرض لليهود..
والجولان درة هذه الجغرافيا بكل شيء ولابد من تجديد الوعد والعهد..
وبعد هذا كله نسأل:لماذا الحرب على سورية ولماذا يحاولون احاطتها بحزام من نار العدوان.. اليس الامر واضحا وجليا فمن سورية النور ومن الجولان وفي الجولان القلب والثبات..
ويمكن معرفة المزيد عن ذلك في كتاب غريس هالسل الدين والسياسة وما يعرضه عن الهوس بمكان معركة هرمجدون جنوب الجولان..
وثمة كتاب آخر يشير إلى هذا هو يد الله وهو يتابع القراءة في دور الأباطيل التي تستبيح الارض وتقدمها على مذبح الوعود..
إذن فالجولان عقدة العقد بالنسبة لهم وصفقة القرن التي أعدوا لها زمنا واخفقت بفعل الصمود السوري، هذه الصفقة تجعل الجولان مركزا ومنطلقا ونقطة مراقبة.. ولكنه المستحيل الذي دونه الاهوال.
انتماء وهوية ومقاومة
لم يهنأ العدو الصهيوني لحظة واحدة منذ احتلاله الجولان.. إذ انطلقت إرادة المقاومة والرفض والعمل على صد العدوان.. تفنن العدو بوسائل وأدوات عدوانه صادر الأراضي والمياه واعتقل المقاومين وزجهم في السجون واضرم الحرائق في المزروعات وحرف التربة وحاول تهويد كل شيء عبر الاستيطان وتغيير المعالم الديموغرافية.. لكنه جوبه بمقاومة عنيفة وتصدى اهلنا ببسالة وشجاعة لعدوانه.. رجال ونساء واطفال كلهم يد واحدة بوجه العدوان من غالية فرحات إلى كل طفل يولد ويرفع راية الوطن سورية.. الوطن الذي ظل يمد شريان الحياة والعطاء الابطال الصامدين في الجولان بكل الإمكانات المالية والثقافية والاجتماعية بادلهم الوفاء بالوفاء وعلى خطا التحرير ومن أجله يخوض السوريون معركة الوجود فلا هوية الا الهوية السورية.. ما أروع ذلك الشبل الذي رفع لافتة تقول الجولان مش ناقصه هوية..
انه الجولان العربي بمساحته الجغرافية التي تعني حدود الكون وحارسا لبوابة الشام وجسر العبور إلى الغد.. لهذا هو في دائرة الاستهداف تاريخا وثقافة وثروات وموقعا.. فهل انتبه الكثيرون كيف وقع ترامب على قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس وبعدها اكمل عدوانه بما أسماه الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان.
الجولان اللاعب بالحقب والتاريخ في قلب ووجدان كل سوري في النضال والعمل والمقاومة والفن والأدب من شجرة بطم فارس زرزور إلى مرصد حنا مينه ونجاح العطار وقنيطرة نزار قباني ونازك الملائكة وسليمان العيسى إلى نجمة الصبح.. الجولان عربي سوري مر عليه غزاة كثيرون فما كانوا الا خبرا في التاريخ.. وجولة بغي واحدة مهما امتدت لا تمحو ما طاول عنان السماء وجودا ثقافيا وحضاريا وفعلا مقاوما يجترح أسباب الوجود ويمضي قدما في خلايا ونسغ الوطن.. ولم تبق الا صيحة: اشرق ثبير فإن الخيل تنتظر..
وإن غدا لناظره قريب.. نعم الجولان وسط سورية وبوصلة العالم ومن حسن حظ الأجيال أن سورية هي التي ستوجه البوصلة وتقود الإنسانية إلى بر الأمان، لا هرمجدون ولا اباطيل التوراة, الجولان تاريخ وكرامة وأرض عربية سورية من الحرف الأول إلى كل ما فيها, وكل ما مورس ليس إلا عبثا, هنا تينه وزيتونه وتفاحه, وسنديانه, وحكايا البطولة وزغردة النسوة السوريات في مواكب الشهادة والنصر و يقيننا أننا نغير العالم ونرسم مداه الأكثر نقاء, الم يكن السوريون عبر التاريخ من عبد دروب الكرامة وسما بالانسان, اخرجه من ظلمة الجهل؟ بلى هم, والطريق قد يطول لكنه ليس وعرا, والنور يشع في نهاياته ومن على قمم الجبل اللاعب بالريح.
دراسة وتحقيق: ديب علي حسن

 

التاريخ: الخميس 29-8-2019
رقم العدد : 17059