معاهــــد جامعــــــــة دمشـــــــق..بين الأعـــداد الكبيـــرة للطــلاب ونقــص الكــــوادر والمســـــتلزمات والبنـــى التحتيــة



مشكلات متراكمة تعاني منها معاهد جامعة دمشق، تدور تداعياتها على الطلبة والكوادر معا تبدأ من حالة الإهمال للبنى التحتية والمناهج وطرائق التدريس ونقص المستلزمات وغياب فرص التوظيف.. وصولا إلى النظرة المجتمعية وما يشعر به هؤلاء على أنهم طلاب من الدرجة الثانية. الأمر الذي يجعل الإقبال عليها في آخر سلم اهتمامات الطلبة، بعد أن يفقدوا الأمل في الحصول على فرصتهم في الدراسة الجامعية. وأمام هذا الواقع الذي يعيشه حوالي 19 ألف طالب وطالبة هناك تساؤلات عن مدى اهتمام الجهات العليا في تأمين عملية تعليمية سليمة لتخريج دفعات من التعليم المهني والتقني المتوسط.. لها دورها ومكانتها في سوق العمل وفي إعادة الإعمار.

من واقع الطلبة
باعتبار أن العملية التعليمية تقوم على ركائز أساسية لا تتعلق بالطالب المجد فقط، بل هناك الكادر المتمكن والإدارة الناجحة وأبنية ومخابر مجهزة، فقد تراوحت أمنيات طلاب معاهد جامعة دمشق في أن يكونوا جزءا من حركة إعادة الإعمار التي تظهر على الواجهة كأولوية، وضرورة الاعتراف بهم كخريجي دراسة متوسطة تفيد في تحريك عجلة الإنتاج والتطور وإشراكهم بالمسابقات بنسب توافق أعدادهم في كل اختصاص. مشيرين إلى التراجع المستمر في أداء غالبية المعاهد نتيجة المناهج القديمة والمكررة وغياب الالتزام بالتوظيف وفرص العمل للشريحة الأوسع منهم، نقص الكادر التدريسي وبخاصة الذي على الملاك ونقص المخابر والبرمجيات وأجهزة الكمبيوتر، وتعطل الكثير منها وعدم ارتباط هذه المعاهد بوظائف ومتطلبات سوق العمل.
توحيد المرجعية
يرى الكثير من أصحاب القرار أن جزءاً من المشكلة يحل بتوحيد مرجعية المعاهد وهي الخطة التي تسير عليها معاهد جامعة دمشق رغم وجود بعض العقبات، فقد أوضح الدكتور أُبي سلمان مدير المعاهد التقانية في جامعة دمشق أن عدد المعاهد قد ارتفع في هذا العام من 14 معهدا إلى 16 معهدا بعد إضافة معهد الإحصاء الذي كان تابعاً لرئاسة مجلس الوزراء، وتعديل وضع معاهد المراقبين الفنيين وضمه إلى المعهد الهندسي القائم حاليا، باعتباره يمتلك نفس الخطة الدرسية، فأصبحت تبعيته لجامعة دمشق بدلا من وزارة الإسكان، مشيرا إلى أن موضوع الدمج فكرة قديمة تهدف لجعل جميع المعاهد في سورية ضمن مرجعية واحدة لكل المعاهد في سورية كأن تكون وزارة أو هيئة للتعليم التقاني، إلا أن هناك عقبات كثيرة بعضها يكون فرديا وبعضها يعود لاختصاص المعهد المرتبط بوزارة معينة مثل معهد الكهرباء، هو خاص بوزارة الكهرباء ويعمل على تأهيل خريجين يرتبط عملهم بوظائف الوزارة نفسها، ومع ذلك هناك دراسة حول إمكانية ضمه لمعهد الكهرباء التابع لجامعة دمشق.
وفقاً لحاجة السوق
هناك أمور كثيرة تمنع الطلبة من الإقبال على الدراسة المتوسطة وضمن قراءة سريعة حول ذلك أكد مدير المعاهد أن الإقبال يكون حسب دور المعهد في تأمين فرصة عمل، وعليه هناك بعض المعاهد التي تكون مرغوبة أكثر من غيرها، مثل معهد تعويضات الأسنان، ومعهد المعلوماتية والحواسيب والمعهد المصرفي لأنها مطلوبة في السوق وبإمكان الخريج أن يجد فرصة عمل سريعة، بينما هناك الكثير من المعاهد غير المرغوبة مثل المعهد الزراعي. وبشكل عام الأمر مرتبط بموضوع التعيين والتوظيف فحتى العام الماضي لم يكن هناك ما يشجع الطلبة على دراسة الكثير من الاختصاصات، ولكن في هذا العام صدر القرار الذي يقضي بتعيين 5% من الخريجين الأوائل من السوريين ومن في حكمهم في كل معهد أو قسم أو تخصص يمنح درجة دبلوم تقاني في الجهات العامة في كل عام دراسي توظيفا مباشرا دون الخضوع للمسابقات. وبتقدير هذه النسبة على مستوى وزارة التعليم العالي هناك على الأقل كل سنة ما يقارب 700 طالب يستفيدون من هذا القرار ويشكلون علامة فارقة بالسوق، إضافة إلى القرار الذي يسمح للخريجين الثلاثة الأوائل بمتابعة تعليمهم في الاختصاصات المتماثلة في الجامعات.
المشكلات والصعوبات
هناك عدة مشكلات في المعاهد وأغلبها يتعلق بالشأن المالي وسعر الصرف الذي يعود لعام 1970 ولم يتطور حتى الآن وبخاصة أسعار الساعات التدريسية والمراقبة لمن هم من خارج الملاك، فمازال سعر ساعة التدريس 150 ليرة سورية وهي أجور ضعيفة وشبه مجانية، ويأتي ذلك ضمن غياب الدعم الفعلي والحقيقي للمعاهد التي أصبحت ومنذ سنوات تعمل بجهود ذاتية تطور نفسها بنفسها كعمل طوعي من قبل الكادر الإداري والمدرسين والعاملين.
وأكد الدكتور أُبي أن كل ما تحدث عنه الطلبة من نقص كبير في الأجهزة والمخابر والبرمجيات التي أصبحت قديمة جدا وتحتاج إلى تجديد وتحديث، هو صحيح ويعتبر جزءاً من المشكلة المالية والروتين الشديد في التعامل مع المعاهد. ويضاف إليها نقص في أعداد الإداريين والكادر التدريسي على حساب الطلاب. مبينا أن طلبة المعاهد لا يأخذون حقهم بالاهتمام ولا يوجد أي استجابة من قبل الجهات العليا والمسؤولة عن المعاهد في تأمين هذه النواقص ووسائل التدريب، أو تقديم التسهيلات لتطوير الكتب والمقررات، الأمر الذي يدفعنا للمطالبة بالاستقلالية والمرجعية الواحدة.
مطالب بتعديل الأجور
حول موضوع تعديل الأجور أكد أنه تم رفعها في بعض الأحيان، لكنهم وضعوا سقفا لتحديدها فلم يحصل الكادر التدريسي على أي فائدة، وهناك حجج تتعلق بعدم تعاون وزارة المالية في هذا الأمر وأن المشكلة تحتاج لتدخل مجلس الشعب ووو...إلخ. مبينا أن هذا القرار يتعلق بمستقبل أجيال بأكملها، فإذا لم تتحسن الأجور فهل سيكون هناك خطة درسية صحيحة أو تعليم سليم؟ حيث تصل ساعة الرياضيات في المعاهد الخاصة إلى عشرة آلاف ليرة سورية، بينما لاتزال في المعاهد الجامعية بحدود 150 ليرة، ولا نستطيع رفعها حتى 10% مع أنه يفترض أن تتضاعف إلى 500%.
وقال: ليس لدينا كادر من داخل الملاك، وهناك صعوبة كبيرة في تأمين مدرسين أو مراقبين من خارج الملاك، إذ من غير المنطقي أن يأتي مدرس للمراقبة مقابل مبلغ 50 ليرة على الساعة التي هي أقل من أجور السرفيس بخمس مرات.. وعليه يتم تأمين المراقبين عن طريق المعارف والأصدقاء، وتقدم خدمة ذاتية طوعية لطلاب المعهد أو رغبة منهم لإدخالها في الـ(سي في) أو لاستكمال النصاب.
شبه مجانية
مؤشرات العام الماضي وما قبله كافية لتقديم الانطباع العام حول القبول في المعاهد المتوسطة فالقصة ليست خافية على أحد وأعداد الطلاب الذين يسجلون في المعاهد قليلة جدا فلا يوجد رغبة لديهم بالتوجه إليها وبخاصة أن هناك ثقافة اجتماعية تنظر إليهم وكأنهم طلاب من الدرجة الثانية، وأغلب اختصاصاتهم رغم أهميتها مغيبة عن مسابقات التوظيف، وعليه يوضح مدير المعاهد أن نسبة قليلة من المسجلين في المعاهد يكون وفقا لرغبته الشخصية، مع أن هناك العديد من الجوانب الإيجابية للدراسة المتوسطة حيث يتخرج الطالب بسرعة ويكون مهيئا لينخرط في سوق العمل بشكل أسرع، ويمكنه أن يفتتح ورشاً خاصة به، فالمعهد يقدم له دراسة أكاديمية مهنية بتكلفة شبه مجانية، إضافة إلى إمكانية دخوله لدورات تقوية في اختصاصه تقام ضمن المعهد بأسعار رمزية.
أوجاع كبيرة
من جانبه تحدث الدكتور أحمد سويد معاون مدير المعاهد ومدير المعهد الزراعي عن ضرورة تطوير البنية التحتية المترهلة للمعاهد، وتأمين كادر إداري علمي على الملاك عوضا عن الذين تسربوا بسبب الحرب على سورية، وتشجيع الإقبال على المعاهد عن طريق تأمين فرص عمل للخريجين في القطاعين العام والخاص، والاهتمام بالمعاهد لأنها تشكل حجر الأساس في بناء المجتمعات المعاصرة وتساهم بشكل فعال في النمو الاقتصادي لكونها تخرج كوادر مزودة بخبرات علمية مهنية. مشيرا إلى أن نسبة 5% غير كافية لتغطية حاجة المعاهد للعمل وبخاصة بعد انتظار استمر ثلاث سنوات حتى شملتهم المسابقة وفي وظائف قليلة جدا، وأن أجور الساعات والمراقبة لا تشجع أحدا للتدريس في المعاهد أو التعاقد معها، فمن غير المنطقي أن تكون ساعة المراقبة 50 ليرة سورية وساعة العاملين في القاعة 20 ليرة بينما أجور المواصلات كي يصل هؤلاء إلى المعهد هي 500 ليرة في اليوم، وهذا بحد ذاته يشكل صعوبة كبيرة في موضوع التدريس والامتحانات والمراقبة، إضافة للغياب الكامل لموضوع الاهتمام بالجوانب التشجيعية للمعاهد من حيث تسهيل المشاركة بالمعارض وهناك عشرات المشاريع الإبداعية المغمورة بسبب إهمال الجهات المعنية برعاية طلبة المعاهد وتأمين احتياجاتها.

 

ميساء الجردي

التاريخ: الأربعاء 9- 10-2019
رقم العدد : 17094