التسرب إلى المقاهي..يبــدأ بلعبــة التقليــد وينتـهي بالإدمـــان

 كان ينفث دخانها وكأنه يحاول أن يبتعد عن كل ما حوله سارحاً بخياله عن واقعه الذي من المفترض أن يعيشه وهو داخل مقاعد الدراسة متابعا لواجباته ودروسه التي تحقق له مستقبله لكنه وبغفلة عن حراس واقعه ومستقبله هذا سواء أهله ومدرسته فإنه يذهب بعيداً إلى عالمه الذي يرغب أن يعيشه .
في الطريق العام المؤدي إلى أحد المقاهي القريبة دنوت منه وسألته وهو يرتدي لباس المدرسة ، لماذا أنت خارج الصف طالما لما ينته دوام المدرسة ؟ لم يجب بشيء وحين سألته عن الأركيلة وهل يمارس هذه العادة قال الشاب تامر «ع» إن تدخينها في المقهى هو متعة بالنسبة له خاصة أن أهله في المنزل لا يسمحون له بها ولا الاقتراب منها لأنها تضر كثيرا كما تقول أمه لكنه وأصدقاءه يشعرون بالسعادة حسب تعبيره عندما «يشربونها» ،بعيدا عن ملاحظات الأهل وتنبيهات الأم المتكررة ، فهو قد أصبح شاباً يعرف مصلحته ، حيث يشعر بمتعة مختلفة مع أصدقائه ، ويوافقه الرأي صديقه محمد «خ «الذي يشاركه الهروب من المدرسة من أجل تناول الدخان والأركيلة .
هذان الشابان وغيرهما الكثير من المراهقين يجدون أن «الأركيلة» في المقاهي الخارجية لها نكهة خاصة تماماً فهي مختلفة وتجعلهم يثقون بأنفسهم ويدركون أنهم أصبحوا شباباً.
فيما يبين أحمد صديقهم الثالث أن أهله جميعهم يدخنون الأركيلة لذلك هو من محبيها داخل البيت وخارجه ، وابتسم قائلاً: إن جلسة مع أصدقاء المدرسة لها طعم مختلف تماماً ، حيث ندخنها بعيداً عن التوجيهات والمراقبة .
لن ننكر هنا أن وجود عدد من الطلبة خارج المدرسة في أوقات الدوام المدرسي يعد أمراً مخالفاً لشروط وضوابط المدرسة ، وأنه غير طبيعي لا للطالب ولا للمدرسة ،وبالتالي فإن بعض هذه المظاهر التي بتنا نجدها في العديد من الحدائق وفي الشوارع والمقاهي الشعبية ، ما يستدعي السؤال عن كيفية معالجة ظاهرة التسرب حيث اتجهنا الى الاستاذ عبد الناصر الحاجين رئيس شعبة التعليم الالزامي في مديرية ريف دمشق الذي بيّن أن ظاهرة التسرب من المدرسة من أخطر الظواهر لما لها من أثر سلبي على الفرد والمجتمع ، لأنها تؤدي إلى وجود أعداد من الطلاب لا يمتلكون المعرفة ولا المهارات و تؤدي الى تفشي الأمية والبطالة ،كما أنها تضعف البنية الاقتصادية والانتاجية للفرد والمجتمع و تزيد من الاتكالية والاعتماد على الغير،وتفرز ظواهر خطيرة كعمالة الأطفال واستغلالهم وكثرة الزواج المبكر مما يؤدي الى زيادة المشكلات الاجتماعية كانحراف الأحداث وانتشار السرقات والاعتداء على أملاك الغير ،هذا من شأنه أن يضعف المجتمع ويسهم بانتشار الفساد ,و يضيف الحاجين أن هذه الظاهرة موجودة في جميع دول العالم غير أنها تتفاوت من مجتمع الى آخر ومن منطقة إلى أخرى وتقع مسؤولية ظاهرة التسرب على المجتمع ككل من أفراد وأسرة ومدرسة وإعلام .

 

 

وأوضح الحاجين أن لهذه الظاهرة أسباب تربوية واقتصادية واجتماعية ونفسية أولها : أن الواقع الاقتصادي الصعب للأسر لاسيما وأن حاجة الأسرة للمال يجعل بعض الطلاب يبتعدون عن مقاعد الدراسة لتأمين مبلغ من المال يساعد من خلاله أسرته .
وهناك أمر آخر يتعلق بحالة الجهل وتدني وعي المجتمع وعدم إدراك أهمية التعليم وهذا بالطبع عائد الى تدني ربما المستوى التعليمي للأهل .أيضاً الأعداد الكبيرة للتلاميذ الوافدين من مختلف أنحاء القطر الى العاصمة وريفها بالذات مما شكل ضغطاً كبيراً على المدارس التي أصبحت تشكل بيئة «طاردة « بدلاً من أن تكون عامل جذب للطالب بالإضافة الى الكثافة العددية الكبيرة في الشعبة الصفية ،حيث قلّ اهتمام المعلم بالتلاميذ مما أشعرهم بالإهمال وعدم المتابعة وفقدان التآلف بين المعلم والمتعلم
ويشيرالحاجين إلى أن عدم تقبل التلميذ للعودة الى المدرسة بعد انقطاعه لمدة طويلة عنها وخسارته الكبيرة للمعلومات تؤثر سلباً على سلوكه ،كذلك السكن في مراكز الإيواء وانسياق الأطفال وراء رفاق السوء ورغبتهم في تقليدهم .ومن الأسباب الأخرى هو عدم استقرار الأهل والتنقل الدائم والمستمر من سكن إلى آخر ومن منطقة الى منطقة ومن محافظة الى أخرى خلال العام الدراسي .
ويوضح رئيس شعبة التعليم الاساسي أن التلميذ المتسرب هو تلميذ قد أجرى سبر معلومات وداوم في مدرسة أخرى, لافتا إلى أن انقطاع الاتصال بين المدرسة وأولياء التلاميذ يؤدي بالتأكيد إلى ضعف في متابعة التلميذ وانتفاء التعاون بين الأسرة والمدرسة ، ويؤثر تفكك العائلة الناتج عن الطلاق أو كثرة الخلافات الزوجية على سلوك الأبناء ، فيسهل عبورهم إلى هذه الأماكن .كما أن غياب دور وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في نشر الوعي والتحذير من مخاطر تسرب التلاميذ من مدارسهم تحتاج إلى حضور أكبر .وأضاف الحاجين موضحا أن وزارة التربية سعت جاهدة الى التقليل من ظاهرة التسرب فقد عمدت الى زيارة مراكز الايواء وحصر عدد التلاميذ المتسربين القاطنين فيها ومقابلة أوليائهم وحثهم الى إرسال أبنائهم الى المدرسة وبيان عواقب عدم إرسالهم وقال الحاجين :إنه لا بدّ من متابعة مديري المدارس وبشكل يومي وحثهم على قبول تسجيل جميع الطلاب دون استثناء .كما يتم تسجيل الطلاب الوافدين كافة حتى دون أي وثيقة وذلك من خلال إجراء سبر معلومات لهم .
ويوضح الحاجين أن التربية تقوم بتنظيم إنذارات بحق أولياء أمور التلاميذ المتسربين ورفعها الى الجهات المختصة .مع التأكيد على عدم تكليف الطلاب بأي أعمال تشكل أعباء مادية أو معنوية .والعمل على تطوير العلاقة بين المدرسة والمنزل واستعمال جميع قنوات الاتصال الممكنة من أجل توثيق التعاون بينهما لمتابعة التلميذ والتأكيد على عقد مجالس أولياء الامور بشكل دوري والاستعانة بالمجتمع المحلي للضغط على أولياء أمور الطلاب المتسربين وحثهم على إعادة أبنائهم للمدرسة.
وأكد الحاجين ضرورة التأكيد على إدارات المدارس وبشكل مستمر الابتعاد عن العقاب الجسدي والمعنوي للطلاب الذي يسبب نفورهم من المدرسة .
كما تم السماح للطلاب المنقطعين لفترة طويلة بالالتحاق بالمدرسة بغض النظر عن أعمارهم وذلك وفق تعليمات القيد والقبول وتسجيلهم كتلاميذ فئة |ب| ومساعدتهم بالاندماج في المدرسة والاهتمام بهم، مشددا على ضرورة منع تشغيل الأطفال منعاً باتاً وتوجد عقوبات لولي التلميذ ولرب العمل كذلك . ومن الاجراءات الأخرى يقول الحاجين :إنه تم تحويل الدوام في معظم المدارس الى دوام نصفي الأمر الذي قلل من الكثافة العددية وزاد من اهتمام المعلم بالتلاميذ .
وذكر أخيراً أنه تم الاشراف على النوادي التعليمية ودورات الإكمال حسب توجيهات وزارة التربية التي افتتحت برعاية منظمة اليونيسيف لتعويض الفاقد التعليمي لدى الطلاب المنقطعين كما تم الاشراف على الدورات الصيفية المكثفة حسب تعليمات الوزارة الخاصة بالطلاب المنقطعين وذلك لتعويضهم عما فاتهم من سنوات دراسية .
دور وزارة السياحة
وعن دور وزارة السياحة في هذا الأمر توجهنا الى مدير الرقابة والجودة زياد البلخي الذي أوضح أن المقاهي تقسم إلى نوعين :شعبية وسياحية والشعبية تشرف عليها وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك أما السياحية فتتبع بالإشراف لوزارة السياحة ، التي يبدأ تصنيفها من نجمتين وفوق تتبع لوزارة السياحة ،وذلك بموجب مرسوم رئاسي ممنوعة عن تقديم منتجات التبغ لمن هم دون الثامنة عشر.
تقديم منتجات التبغ لمن هم دون الثامنة عشرة هذه مخالفة تستوجب إغلاق المنشأة السياحية لمدة أسبوع وفي حال التكرار تضاعف المدة وفي حين الإصرار تسحب الرخصة ويغلق المكان نهائياً بعدأن يتأكد أنه ليس أهل لأن يقوم بمثل هذا العمل ،وهذا الكلام يطبق أيضاً على منتجات الكحول .
ويضيف البلخي انه توجد لدى وزارة السياحة دوريات رقابة مشتركة تقوم بها مديريات السياحة بالتعاون مع الجهات المعنية كوزارة التجارة وحماية المستهلك ووزارة الصحة والمحافظة ، دوريات الضابطة العدلية التابعة للوزارة هم جميعهم معنيون ليس فقط بالمنشأة من ناحية الشروط الصحية والأسعار فقط ،وإننا معنيون أيضاً بالتدقيق على منتجات التبغ.
ويوضح البلخي إلى أهمية استجابة المواطنين لهذا الموضوع فعندما يكون هؤلاء بمقهى أو بمكان عام ويلاحظون أن صاحب المنشأة قدم الأركيلة للأطفال فإنه يتم تنبيهنا لذلك ، وبدورنا نقوم بالتركيز عليه أكثر وتتم زياراته المفاجئة عدة مرات في الأسبوع وهذه تعد استجابة حقيقية من المجتمع المحلي الذي لما يرى من ظواهر مسيئة للطفولة وللمجتمع وللمنشأة بحدّ ذاتها .
عدد الإغلاقات
ويقول البلخي: إنه بالنسبة لعدد الضبوط والإغلاقات بهذا الموضوع منخفض إلى حد ما، ولا يتجاوز خمسة ضبوط فقط، والسبب هو أن المنشاة السياحية تهمها سمعتها كثيراً فرؤية طلاب صغار بداخلها يشربون الأركيلة ومنتجات التبغ فيها تؤثر على السمعة العامة للمنشأة ،وجميع الأماكن السياحية تعرف أن المخالفة رادعة والإغلاق قولاً واحداً .وبالتالي فإن المنشاة لا ترغب بتخريب سمعتها أمام روادها ،مبينا أنه يوجد تعاون بين السياحة وبين وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في هذا الأمر،فقد يصل الأمر الى سجن صاحب المنشاة في حال إصراره على تقديم الأركيلة لمن هم دون سن الثامنة عشر وكذلك التبغ لهذه الفئة العمرية الصغيرة فهي ظاهرة غير حضارية وغير لائقة ولا تناسب مجتمعنا ولا المجتمعات المتحضرة مايجعل العقوبة الرادعة ضرورية .

ميساء العجي
التاريخ: الثلاثاء 18-2-2020
الرقم: 17195