الناتو وكورونا وباءان طفيليان في أوروبا

 ثورة أون لاين:

إن القرار في المضي في إجراء أكبر المناورات العسكرية على الإطلاق التي سيقوم بها حلف شمال الأطلسي في أوروبا في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن فيروس كورونا المستجد، يثير بالتأكيد تساؤلات حول الهدف "المعلن" لهذا الحلف العسكري وهو "الحفاظ على الأمن في اوروبا".

وقال الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ إن تدريبات" Defender-Europe 20" (المدافع عن أوروبا 20)لن يتم إلغاؤها بسبب انتشار المرض(الشبيه بالإنفلونزا كورونا) تقريباً في كل دول الاتحاد الأوروبي والذي تسبب في مقتل المئات حتى الآن.

خلال الأشهر المقبلة، سيشارك حوالي 17 من أعضاء حلف الناتو في مناورات عسكرية عبر سبع دول أوروبية: بلجيكا وهولندا وألمانيا وبولندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا، وقد أبلغت جميع هذه الدول عن وجود إصابات بالفيروس التاجي" كورونا" .

ونُقل عن وزير الصحة الألماني ينس سبان قوله إن تفشي الفيروس التاجي أصبح "وباءً عالمياً" وأن "الأسوأ لم يأت بعد".

سوف يشارك حوالي 37.000 جندي في المناورات الحربية "المدافع عن أوروبا 20 " ، وهي أكبر عملية طوارئ منذ نهاية الحرب الباردة قبل ما يقرب من ثلاثة عقود، حيث سترسل الولايات المتحدة 20000 جندي، وستعود معظم تلك القوات إلى القواعد الموجودة في 20 ولاية أمريكية على الأقل، وبالتالي فإن خطر انتشار فيروس كورونا عبر أوروبا والولايات المتحدة قد يزداد بشكل كبير بسبب هذه المناورات التي سيجريها حلف الناتو.

يبدو القرار بإجراء هذه الألعاب الحربية الأوروبية غير حكيم نظراً لأن القوات الأمريكية في آسيا والمحيط الهادئ قد ألغت مناورات عسكرية مماثلة تم تحديدها في كوريا الجنوبية بدافع المخاوف من فيروس كورونا (COVID-19).

وتأتي نشاطات " المدافع عن أوروبا 20" الجارية وسط تقارير تفيد بأن القائد الأمريكي في أوروبا، الفريق كريستوفر كافولي قد يكون مصابًا بفيروس كورونا بعد حضور المؤتمر العسكري الأخير في فيسبادن بألمانيا.

وفي الوقت نفسه فقد اعترف كبير المستشارين في القطاع الصحي لهيئة الأركان المشتركة، عميد القوات الجوية الجنرال بول فريدريشس بأن عدد حالات COVID-19 بين القوات المسلحة في البنتاغون قد يكون أعلى بكثير مما قد تم الإعلان عنه.

يتعارض الافتقار الواضح للتدابير الاحترازية من قبل حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة مع تزايد المخاوف العامة لاحتواء المرض، وقد فرضت إيطاليا - التي سجلت ثاني أعلى دولة بعدد الوفيات في العالم بعد الصين - حظراً تاماً على السفر في الأماكن العامة لسكانها البالغ عددهم 60 مليون نسمة، كما ألغت شركات الطيران في جميع أنحاء أوروبا آلاف الرحلات بسبب توقف بعض شركات الطيران عن العمل تماماً.

بالإضافة أنه تم إلغاء الأحداث والنشاطات الرياضية في جميع أنحاء أوروبا، بما في ذلك مباريات كرة القدم الكبرى أو من الممكن أن تقام هذه المباريات ولكن من دون دون جمهور. كما تم تأجيل بطولة الروكبي المكونة من ست دول على أن يتم إعادة تحديد مواعيد المباريات في وقت لاحق كما تأجلت مباراة مهمة بين أيرلندا وفرنسا المقررة في هذا الشهر حتى تشرين الأول.

وفي بريطانيا هناك دعوات لتعليق البرلمان بعد أن أبلغت وزيرة الصحة نادين دوريز عن إصابتها بفيروس كورونا.

كما تعرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لانتقادات كثيرة بسبب عدم اتخاذ تدابير كافية لاحتواء هذا المرض أو حتى توفير المواد الكافية لإجراء الاختبار والفحوصات، والعدد الرسمي الذي تم إعلانه للإصابات الأمريكية من COVID-19 منخفض نسبيًا حتى الآن، ولكن يُعتقد أن ذلك يرجع إلى استخدام طرق اختبار محدودة.

لذلك يبدو من المعقول والمنطقي في هذا السياق وللحد من انتشار خطر هذا الوباء أن يتم إلغاء مثل هذه المناورات المتعددة الجنسيات مثل "المدافع عن أوروبا 20" لحلف الناتو، فالإصرار على إقامة هذه النشاطات ستؤدي إلى تسريع انتشار المرض بين قارتين وأكثر وهذا سيكون بحد ذاته قمة اللامبالاة.

من الضروري جداً على هذه المنظمة العسكرية "حلف الناتو" والتي تتألف من 29 دولة وتستهلك ميزانية سنوية مقدارها 1 تريليون دولار، أن تتكيف مع الحقائق والأزمات التي تحدث في العالم ككل وعليها أن تعمل على الحد من انتشار فيروس كورونا القاتل وليس العكس.

والمفارقة هنا هي أن الأموال الطائلة التي ينفقها حلف الناتو على الأعمال العسكرية والحروب المدمرة التي يشارك فيها كان من الممكن أن يتم إنفاقها بشكل مفيد وأفضل للشعوب، مثل بناء البنية التحتية للرعاية الصحية التي من شأنها أن تساعد في التخفيف من الأزمات مثل الفيروس الذي انتشر مؤخراً كورونا، حيث يتم تجاهل العديد من الاحتياجات التي تهم البشرية بسبب الميزانيات العسكرية الباهظة للدول الأعضاء في حلف الناتو، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد كان دونالد ترامب يتباهى دائما بأنه استطاع دفع حلفائه الأوروبيين للمشاركة بمئات المليارات من الدولارات لدعم الميزانية العسكرية للحلف.

حتى قبل ظهور مشكلة فيروس كورونا في الصين في وقت سابق من هذا العام، كانت المناورات الحربية لحلف شمال الأطلسي في أوروبا (وأماكن أخرى) سبباً للكثير من الانتقادات، فقد تم استنكار التوترات الجيوسياسية التي تولدها هذه النزعة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة تجاه روسيا والصين، حيث نددت موسكو بمناورات" المدافع عن أوروبا 20" على أنه "بروفة للحرب" المنفصلة تمامًا عن الواقع.

إن أيديولوجية الحرب الباردة العنيفة التي يهيئ لها الناتو تفرض انعدام الأمن وخطر الحرب على أوروبا بطريقة تدحض مزاعم الناتو حول تكريسه ل "السلام والدفاع عن أمن المجتمع الأوروبي"، وإن المجازفة الطائشة فيما يتعلق بانتشار وباء فيروس كورونا تدل على أن الناتو "طفيلي" على الدول "المضيفة" والسبب هو أنه يساهم بشكل كبير في استنزاف الموارد العامة والحيوية لهذه الدول، وبالتالي يجب على هذه المنظمة والتي تأسست منذ حوالي 30 عاما، "أن تعزل نفسها" وتعيد النظر في سياستها قبل فوات الأوان.

فينيان كننغهام

ترجمة: ميساء وسوف