في الذكرى الـ ٣٩ لإعلان الوثيقة الوطنية لأبناء الجولان ..أهلنا في الجولان السوري المحتل يجددون التأكيد على تمسكهم بالأرض والهوية السورية

ثورة أون لاين-خالد الخالد:

في مثل هذا اليوم وفي الخامس والعشرين من آذار من عام ١٩٨١ أصدر أبناء الجولان السوري المحتل (الوثيقة الوطنية) وذلك ردا على قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بضم الجولان والتي كان لها كبير الأثر في الانتصار التاريخي الذي حققه أهلنا في الجولان لاحقا.

فقد شكل عقد الثمانينات انعطافاً هاماً في مقاومة أهل الجولان للاحتلال الإسرائيلي و إجراءاته الرامية إلى تغييب و طمس الهوية العربية لسكان الجولان، وخاصة القانون الذي صدر في شهر تشرين الثاني من العام 1981 والذي بموجبه عدل ما يسمى قانون الجنسية الإسرائيلية، وخول ما يسمى وزير داخلية الاحتلال صلاحية منح الجنسية الإسرائيلية، وجاء فيه "الجنسية تمنح عندما يعد ذلك تحقيقاً لمصلحة خاصة لإسرائيل".

وفي نهاية تلك السنة كانت حكومة الاحتلال الإسرائيلي قد بدأت تضغط على السكان لقبول البطاقة الشخصية الإسرائيلية، ورغم استخدام كافة الوسائل من ترغيب وترهيب، فقد فشلت المحاولات الإسرائيلية بتغييب هوية سكان الجولان الذين رفضوا بشدة الهوية الإسرائيلية وهذا ما دفع بالاحتلال في 23/9/1981 إلى فتح مكاتب خاصة في الجولان لاستعادة الهويات، ولا ننسى إن إفشال محاولة الإسرائيليين فرض الهوية الإسرائيلية على أهالي الجولان جاء في أعقاب إصدار رجال الدين في الجولان المحتل لقرار يقضي بتطبيق الحرمان الديني والاجتماعي على حملة الهوية الإسرائيلية من أهالي الجولان، و يعني هذا الحرمان منع حاملي الهوية الإسرائيلية من دخول أماكن الصلاة ومقاطعتهم على الصعيد الاجتماعي وعدم المشاركة في أفراحهم وأتراحهم، وعدم التزاوج معهم، إضافة إلى مقاطعتهم اقتصادياً.

و يقول حسن حمدي البكر عضو قيادة فرع نقابة معلمي القنيطرة إن حكام (إسرائيل) اتفقوا و منذ بداية الاحتلال على أن الجولان جزء لا يتجزأ من الكيان الإسرائيلي، ومنذ الأيام الأولى للاحتلال عام ١٩٦٧ بدأت السلطات المحتلة تعمل على محو الآثار العربية في الجولان فهدمت القرى العربية بعد طرد سكانها إبان العدوان وأقامت مكانها المستعمرات الصهيونية وحولت القرى الأخرى إلى أراض زراعية يستثمرها المستوطنون، و أطلقت أسماء عبرية على أكثر المناطق في الجولان المحتل وأعلنت عن (اكتشافات أثرية مزعومة لإثبات "حق" إسرائيل المزعوم في الجولان)، كما أصدرت كتابا خاصا عن الجولان في سلسلة ما يسمى بجغرافية "إسرائيل"، وأخذت تدرسه في المدارس في إطار جغرافية و تاريخ الكيان الإسرائيلي المزعوم.

و تابع البكر أما في قرى (مجدل شمس، مسعدة، بقعاثا، عين قنية، الغجر) فقد تم فصل السكان نهائيا عن وطنهم الأم سورية ووضعهم تحت وصاية الحاكم العسكري الذي اتخذ خطوات عملية كان أهمها استبدال المناهج التربوية السورية بمناهج إسرائيلية وملاحقة الوطنيين في كل مكان ومنع دخول الصحافة العربية إلى القرى المذكورة، والمخالف يعاقب بالسجن والغرامات المالية وفرض مجالس محلية، ومحكمة مذهبية تتلقى تعليماتها المباشرة من سلطات الاحتلال و مصادرة الأراضي و محاربة السكان اقتصاديا، ومنع قيام الجمعيات الخيرية والنوادي، وبالمقابل محاولة فرض نواد للهستدروت ومحاولة تنظيم السكان في المؤسسات الإسرائيلية والإيحاء للعملاء بالمطالبة بضم الجولان وتزوير إرادة السكان إعلاميا يساعدها على ذلك عملاؤها المنبوذون من المجتمع و كل هذه الخطوات وغيرها - التي سبقت قرار الكنيست الإسرائيلي بضم الجولان - كان هدفها محاولة دمج السكان العرب السوريين بالمجتمع الإسرائيلي تمهيدا لضم الجولان، و كانت سلطات الاحتلال الممثلة بالحاكم العسكري تلقى معارضة شديدة من أبناء الجولان في كل خطوة عملية تخطوها ولكن هذا لم يمنعها من الاستمرار قدما في سياستها الإرهابية والعنصرية.

و قال البكر عندما قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضم الجولان استنادا إلى قانون مزعوم يصدره الكنيست ارتأت هذه السلطات أن تصدر هويات مدنية مقرونة بالجنسية الإسرائيلية لأبناء الجولان قبل إصدار القانون الإسرائيلي بالضم وذلك بهدف إظهار سكان الجولان العرب بأنهم راضون عن الاحتلال أمام الرأي العام العالمي و العربي ولاتخاذها ذريعة لضم الجولان بحيث تكتسب سلطة الاحتلال صبغة قانونية أي أن أبناء الجولان هم الذين يطالبون بضم الهضبة وهي تستجيب لرغبتهم.

وبين أنه وبالاستناد إلى تجارب السلطات المحتلة مع أبناء الجولان على مدى السنوات السابقة قررت تمرير المخطط بشكل سري و بأسلوب يقضي بتجنب الصدام مع الطليعة الوطنية، فأوعزت لعملائها لتعبئة نماذج مسبقة الإعداد والمتضمنة المطالبة من قبل مقدم النموذج بالحصول على الجنسية الإسرائيلية مقابل التنازل عن الجنسية العربية السورية ولكن الطليعة الوطنية من الشباب العربي بالجولان كانوا لهذه المخططات بالمرصاد ونجحوا بالكشف عن عدة معطيات أكدت للمواطنين حقيقة نوايا (إسرائيل) وبناء على هذا قررت سلطات الاحتلال المجاهرة بنيتها وإصدار الهويات المدنية مرفقة بالجنسية الإسرائيلية بشكل علني، وفعلا أخذت السلطات المحتلة تتحدث عن تسليم هويات إسرائيلية مدنية مرفقة بالجنسية الإسرائيلية لمواطنين عرب من الجولان .

و ذكر البكر أن أبناء الجولان أدركوا خطورة هذه الخطوة والتي تهدف إلى تجريدهم من الجنسية العربية السورية ، فقرروا التصدي لها وبحزم حيث وحد أبناء الجولان صفوفهم وتم نبذ العملاء من المجتمع ورفضوا استلام الهويات الإسرائيلية بشكل قاطع ولكن سلطة الاحتلال تابعت تزوير الحقائق عبر وسائل إعلامها فكان رد السكان سريعا حيث عقد بتاريخ ١٦/١/١٩٧٩ اجتماع عام في مجدل شمس حضره ما يزيد عن ١٢٠٠ شخص (تعداد السكان آنذاك لم يتجاوز الـعشرة آلاف شخص) من قرى مسعدة ومجدل شمس وعين قنية وبقعاثا وأصدروا بيانا أهم ما ورد فيه: بعد أن حضر ممثلو قرى الجولان السورية المحتلة إلى هذا الاجتماع الجماهيري المنعقد في رحاب مجدل شمس و بعد أن تشاورنا وتبادلنا الرأي قررنا بالأصالة عن أنفسنا و بالنيابة عن ذوينا بالإجماع، أن نرفض المشروع الداعي لتسليمنا هويات إسرائيلية رفضا باتا وأن نستنكر المساعي لدمجنا بإسرائيل وأن نتبرأ من هذا المشروع.

وفيما يلي نص الوثيقة :

نحن المواطنين السوريين في الجولان السوري المحتل نرى لزاما علينا أن نعلن لكل الجهات الرسمية والشعبية في العالم اجمع، ولمنظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها و للرأي العام العالمي والإسرائيلي ومن أجل الحقيقة والتاريخ وبصراحة ووضوح تامين عن حقيقة موقفنا من الاحتلال الإسرائيلي ودأبه المستمر لابتلاع شخصيتنا الوطنية ومحاولته ضم الجولان السوري المحتل حيناً وتطبيق القانون الإسرائيلي علينا حيناً آخر، وجرنا بطرق مختلفة للاندماج بالكيان الإسرائيلي والانصهار في بوتقته و لتجريدنا من جنسيتنا العربية السورية التي نعتز ونتشرف بالانتساب إليها ولا نريد عنها بديلا والتي ورثناها عن أجدادنا الكرام الذين تحدرنا من أصلابهم و أخذنا عنهم لغتنا العربية التي نتكلمها بكل فخر واعتزاز، و ليس لنا لغة قومية سواها وأخذنا عنهم أراضينا الغالية على قلوبنا، وورثناها أبا عن جد منذ وجد الإنسان العربي في هذه البلاد قبل آلاف السنين، أرضنا المجبولة بعرقنا وبدماء أهلنا وأسلافنا حيث لم يقصروا يوما في الذود عنها و تحريرها من كل الغزاة والغاصبين على مر التاريخ ، والتي نقطع العهد على أنفسنا أن نبقى ما حيينا أوفياء ومخلصين لما خلفوه لنا وأن لا نفرط بشيء منه مهما طال زمن الاحتلال الإسرائيلي ومهما قويت الضغوط علينا من قبل سلطات الاحتلال لإكراهنا أو إغرائنا لسلب جنسيتنا، ولو كلفنا ذلك أغلى التضحيات وهذا موقف بديهي وطبيعي جدا أن نقفه وهو موقف كل شعب يتعرض كله أو جزء منه للاحتلال، وانطلاقا من شعورنا بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقنا تجاه أنفسنا وأبنائنا وأجيالنا القادمة أصدرنا هذه الوثيقة .. الجولان المحتل جزء لا يتجزأ من سورية العربية والجنسية العربية السورية صفة ملازمة لنا لا تزول، وهي تنتقل من الآباء إلى الأبناء وأرضنا هي ملكية مقدسة لأبناء مجتمعنا السوريين المحتلين، وكل مواطن تسول له نفسه أن يبيع أو يتنازل أو يتخلى عن شبر منها للمحتلين الإسرائيليين يقترف جريمة كبرى بحق مجتمعنا وخيانة وطنية لا تغتفر، ولا نعترف بشرعية المجالس المحلية والمذهبية، لكونها عينت من قبل الحاكم العسكري الإسرائيلي وتتلقى تعليماتها منه ورؤساء وأعضاء هذه المجالس لا يمثلوننا بأي حال من الأحوال وأن الأشخاص الرافضين للاحتلال من خلال مواقفهم الملموسة والذين هم من كافة قطاعاتنا الاجتماعية، هم الجديرون والمؤهلون للإفصاح عما يختلج في ضمائر ونفوس أبناء مجتمعهم وكل شخص من قرى الجولان السوري المحتل تسول له نفسه استبدال جنسيته بالجنسية الإسرائيلية يسيء لكرامتنا العامة ولشرفنا الوطني ولانتمائنا القومي وتقليدنا ويعتبر خائنا لبلادنا، لقد اعتمدنا هذه الوثيقة مستمدين العزم من تراثنا الروحي والقومي والإنساني الأصيل الذي يحضنا على الوفاء العميق للوطن.

وردت سلطات الاحتلال على البيان بحملة اعتقالات في صفوف المواطنين وصادرت الأملاك و ضيقت الخناق على الوطنيين.

كان تحدي أبناء الجولان لسلطات الاحتلال واضحا وكان لصدور الوثيقة الوطنية وتطبيق قراراتها أكبر الأثر في قيام الكيان الصهيوني بدفع عملائه للقيام بالاعتداء على السكان و ممتلكاتهم، وتعرض الوطنيون أكثر من مرة للاعتداء الجسدي من قبل العملاء وسلطات الاحتلال، وحدثت مواجهات و صدامات مع جيش الاحتلال في القرى العربية المحاصرة و قطعت المياه و الكهرباء ومنع التموين الغذائي عن سكان القرى وعاشوا حصارا استمر أربعين يوميا متواصلا حرموا خلالها من إمكانية التنقل بين القرى أو التجمهر أو التجمع في الساحات العامة ومنع وصول المعونات الغذائية من العرب في فلسطين المحتلة الذين هبوا لنجدة إخوانهم في الجولان وحاولوا مرارا تحدي الحصار والوصول إلى القرى الأربع المعزولة تماما عن العالم الخارجي ولكن سلطات الاحتلال شددت من قبضتها بهدف كسر إرادة المواطنين العزل لكنها عجزت عن وأد إيمانهم بمصداقية مطالبهم و حتمية انتصارهم وزوال الظلم عنهم وهذا ما كان لهم فعلا حيث أرسلت سلطات الاحتلال موظفيها لاستعادة بطاقات الهوية التي سلمت لعدد من سكان الجولان .

الجولان لن يكون إلا عربياً سورياً

و حول موقف سورية من الاحتلال الإسرائيلي والضم والإجراءات الباطلة أكد القائد المؤسس حافظ الأسد أن الجولان ليست محتلة بقانون سنته إسرائيل ولم ولن يتوقف تحريرها على عدم وجود قانون تسنه إسرائيل ولم تأخذه إسرائيل بقانون ولن نسترجعه نحن بقانون، وجاءت هذه الكلمات لتشكل الرد الأكثر بلاغة و وضوحا و الرسالة الأقوى بأن العدوان زائل لا محالة وان الجولان لن يكون إلا عربياً سورياً.

وأشار القائد المؤسس إلى أن قرار إسرائيل الجائر هذا مجرد محاولة إسرائيلية فاشلة لتثبيت وتكريس احتلالها وسيكون مصيرها الفشل طال الزمن أو قصر فالجولان لن يكون إلا عربياً سورياً، وقال سيادته في الذكرى التاسعة عشرة لثورة آذار المجيدة بتاريخ ٧/٣/١٩٨٢: " أن تكسب إسرائيل وجودها أو لا تكسب يعني أن نريد نحن أو لا نريد، وهكذا فإن إسرائيل احتلت بعضا من أرضنا، شردت بعضا من شعبنا، ولكنها لم تستطع ولن تستطع أبدا أن تحتل إرادتنا أو أن تهزم إرادتنا، إن ما تمارسه إسرائيل ضد أهلنا في الجولان من قمع من حصار من سجن من تجويع لن يفيدها في شيء لأن الأمر لا يتعلق ببطاقة تفرض ولا يتعلق بقرار يفرض إنما يتعلق الأمر بهوية وطنية و بانتماء قومي لهذا لن يفيد إسرائيل في شيء.

وأضاف القائد المؤسس إن الجولان ضم سابقاً على الورق فلم نهتز و لم نشعر لحظة واحدة أن الجولان في أي وقت من الأوقات قد يحمل جنسية إذا صحت هذه الكلمة غير جنسية الجولان السورية ، ليس المهم أن يقرر فلان أو أن تقرر مجموعة مصير أرض وطنية ، فالأرض الوطنية ستظل أرضاً وطنية ولن تكون إلا كذلك".

كما أكد السيد الرئيس بشار الأسد المواقف ذاتها المتمسكة بتحرير الجولان وقال وهو يهنئ قوّاتنا المسلحة بذكرى تأسيس الجيش في الأول من آب 2004: (تحرير أراضينا المحتلة هو هدف أساسي وموقعه في المقدمة من سلم الأولويات الوطنية) ووجه سيادته تحية إلى أهلنا الصامدين في الجولان المحتل واكبر فيهم تمسكهم بهويتهم الوطنية وأكد لهم أن عودتهم إلى وطنهم الأم آتية بعون الله.

 

أخيراً لقد سطر أهلنا في الجولان المحتل صفحات مشرقة ومشرفة في الرد على قرارات الضم ومحاولة فرض الهوية الإسرائيلية وتغيير الوضع القانوني والديموغرافي للجولان السوري المحتل، لكن الوقائع على الأرض تثبت أن الجولان و كما كان عبر التاريخ و العصور لن يكون إلا أرضا عربية سورية ستعود طال الزمن أم قصر إلى أصحابها وأهلها الشرعيين، وتثبت الأيام كما يقول الباحث البكر زيف النهج الصهيوني التوسعي وزيف تصريحات حكامه بأن الكبار من أهل الجولان سيموتون والصغار سينسون كبارهم، فالآباء إن رحلوا جسدا إلا أنهم أورثوا أبناءهم حب الوطن والأرض وذكريات الجولان وخيراته وغلال حقوله وبيارات برتقاله وكروم زيتونه ومياه طبريا وأسماكها.