إدارة المخاطر .. أهم الدروس ما بعد كورونا

ثورة أون لاين - بقلم أمين التحرير - ناصر منذر:
كشفت جائحة كورونا الكثير من العيوب التي تصيب النظام العالمي، والذي بات اليوم بحاجة ملحّة لإعادة النظر في هيكليته وإصلاح هيئاته ومنظوماته، والعمل على إيجاد آلية ناجحة تلزم جميع الدول بالاستجابة الفورية للتعاون ورصّ الصفوف في خندق واحد لتفادي الأزمات الطارئة والتي يمكن أن يطول تأثيرها مختلف دول العالم، كتشكيل نظام عالمي للتعاون والتضامن، يساعد على تخطّي التحديات الطارئة بمختلف المجالات بعيداً عن كل أشكال التسييس، والمعايير المزدوجة، كما هو حاصل اليوم لجهة ربط الولايات المتحدة- باعتبارها القوة المهيمنة على المنظمات الدولية – أي مساعدات للدول الأخرى بشروط سياسية تتماشى مع مصالحها الاستعمارية.
هشاشة النظام الصحّي العالمي، كانت في مقدمة المسائل التي فضحتها أزمة كورونا، حتى إن الدول المتقدمة اقتصادياً وطبّياً وقفت عاجزة أمام مواجهة الفيروس، ما سبّب خسائر بشرية واقتصادية كبيرة أغلبها في أميركا والدول الأوروبية، وتلك الدول تبيّن لاحقاً أنها لم تكن مستعدة لمواجهة مثل هذه الجائحة، ولذلك يجب أن تنظر الدول لهذه المسألة بعين الاعتبار، وتأخذ من هذه الأزمة حافزاً لتطوير النظم الصحية القائمة والتي يجب أن تخضع قبل كل شيء للقيم والاعتبارات الإنسانية، فمن حق الإنسان في أي دولة كانت الحصول على الرعاية الطبية الكاملة بعيداً عن مقاييس الربح والخسارة، وقد أثبتت الدول التي تتولّى إدارة قطاعاتها الصحية بأنها أكثر جدارة برعاية مواطنيها، من تلك الدول التي أعطت هذا الدور للشركات الخاصة على غرار ما يحصل في الغرب الذي يقدّم المعايير الاقتصادية على القيم الإنسانية.
كذلك ألقى كورونا بظلاله على الاقتصاد الدولي بعد الإجراءات التي فرضتها معظم الدول، وتوقّف النشاط التجاري إلى حد كبير في معظم أنحاء العالم، إلى حد تنبّأت فيه الكثير من الجهات الدولية بحدوث كساد عالمي، وركود اقتصادي نرى معالمه اليوم، وهو الأسوأ منذ الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 أو حتى الركود العظيم عام 1929، ونهايته وآثاره لا تبدو واضحة المعالم.
ويهدد هذا الركود الاقتصادات العالمية بآثار كبيرة، تترافق مع توترات سياسية في مختلف مناطق العالم، كانت على أشدها مع بداية العام الحالي، وانهيار أسواق النفط العالمية، وهذا الأمر يجب أن يكون حافزاً أيضاً لبذل المزيد من الجهود الدولية لتخليص الاقتصاد العالمي من مشكلاته، عبر التنسيق فيما بينها لخفض التعريفات الجمركية وإزالة الحواجز التجارية ودعم التدفق السلس للنشاطات التجارية، والمساعدة في ضخ عناصر الاستقرار والثقة في الشبكة العالمية للمصادر والموارد والإنتاج، والأكثر من ذلك تسهيل عمليات التبادل التجاري بين جميع الدول دون أي استثناءات، وعدم استخدام الوباء كسلاح اقتصادي إضافي لمعاقبة الدول التي لا تتماشى سياساتها مع الولايات المتحدة.
والأهم من كل ذلك يجب ألا ننسى أن الإنسان في أي مكان يجب أن يبقى المسؤول الأول عن تجنّب الإصابة بالفيروس عبر التزامه بالإجراءات المعمول بها عالمياً، لجهة النظافة الشخصية، وأيضاً يجب ألّا يبعدنا التباعد المكاني عن العلاقات الإنسانية التي تبقى هي الأساس في حياتنا اليومية.
ومن الدروس المستفادة من أزمة كورونا حسب الباحثين زيادة مرونة جميع الاقتصادات والكيانات، العامّة والخاصة، والتحضير المسبق لما نعيشه الآن، أي التوقّف المفاجئ لجزء من الإنتاج والطلب في العديد من اقتصادات العالِم فلا يجب أن نعتمد على مصدر واحد فقط لأي خدمة أو سلعة لمجرّد خفض التكاليف فأساس المرحلة المقبلة، ستكون فكرة إدارة المخاطر، وتنوّع المخاطر، على مستوى الكوكب، جزءاً رئيساً من مفاهيم العالم القادمة.


طباعة