مهزلة التطبيع لن تنهي الصراع في المنطقة.. والمقاومة مستمرة

الثورة أون لاين- عبد الحليم سعود:
تعيش منطقتنا منذ نحو عشر سنوات أجواء مواجهة مصيرية شرسة بين المشروع الصهيو-أميركي الساعي بكل قوته للسيطرة عليها وأدواته وعناصره لتحقيق هذا الهدف هي فائض القوة العسكرية الهائلة والإرهاب والمال الخليجي، وبين المشروع المقاوم وعناصر قوته، الحق والمشروعية وإرادة الشعوب الساعية لنيل حريتها والدفاع عن سيادتها واستقلالها والحفاظ على كرامتها الوطنية، بعيدا عن كل أشكال الاستعمار والهيمنة والاحتلال.
وتأخذ هذه المواجهة أشكالا مختلفة منها السياسي ومنها العسكري ومنها الفكري والإعلامي والاقتصادي..الخ، وتمتد على كامل مساحة المنطقة تقريباً، وقد بلغت هذه المواجهة في الآونة الأخيرة مرحلة حساسة وحاسمة مع انزلاق بعض الأنظمة العربية إلى نفق التطبيع مع الكيان الصهيوني إرضاء للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويكاد المتابع للكثير من تفاصيل وتجليات هذه المواجهة أن يتبين على نحو كبير أي من المشروعين بدأ يحجز بطاقة انتصاره فارضاً حضوره وشروطه ومعادلاته، وأيهما بدأ يتلمس طريقه للنجاة بعد أن عانى إخفاقات كثيرة وراح يلملم أوراقه المتناثرة والمحروقة للخروج من المواجهة جزئيا أو كلياً، مع صعوبة اعترافه بالفشل والهزيمة.
ولا يختلف اثنان بأن المواجهة بين المشروعين المذكورين لم تبدأ بالأمس القريب ولن تنتهي في المدى المنظور لمجرد أن ترامب أقام حفلا استعراضياً "مسرحيا" في البيت الأبيض لإقناع العالم بأن السلام يتحقق في المنطقة بعد توقيع اتفاقيتي تطبيع جديدتين بين الكيان الصهيوني ودولتين خليجيتين بعيدتين كل البعد عن الصراع القائم، لأن الصراع الحقيقي لايزال مستمراً هنا من أجل فلسطين المحتلة، والجولان السوري المحتل وباقي الأراضي العربية المحتلة، ولن يتوقف حتى يتم استردادها، حيث مازالت قوى محور المقاومة تراكم إنجازاتها وتواصل دحر الإرهاب وفلوله على الأرض السورية وتقاوم الهمجية الأميركية والإسرائيلية بكل عناد وإصرار لتحقيق التحرير الكامل، ومنع الكيان الصهيوني الغاصب ومن ورائه الاحتلال الأميركي من تنفيذ أجنداته الخبيثة في عموم المنطقة.
فالصراع مع الكيان الصهيوني لم تبدأ به تلك الدولتان الصغيرتان حديثتا العهد لكي ينتهي بكل بساطة وعلى هذه الشاكلة المذلة، أي "سلام" مقابل "سلام" في تناقض مع مبادرة السلام العربية (الأرض مقابل السلام)، مع بقاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية قائماً، واستمرار نهجه العدواني التوسعي الاستيطاني، وبقاء آلته الحربية الفتاكة حرة طليقة تقتل وتقمع وتشرد الشعب الفلسطيني وتسلبه حقوقه المشروعة التي يكفلها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، إذ ليس من حق أحد على وجه الأرض أن يتنازل عن شبر واحد من الأرض العربية المحتلة مهما كانت صفته، أو أن يتحدث نيابة عن أصحاب الحقوق الشرعيين أو يفاوض باسمهم، لأن هذه الأرض لها أصحاب أصليون وحدهم من يقررون كيف ومتى يستعيدونها سواء بالحرب أم بالسلام الحقيقي.
ولا أحد يستطيع أن ينكر مركزية سورية في قلب هذا الصراع المزمن أو يهمش دورها، لأنها تحملت أعباء القضية الفلسطينية منذ البداية وحتى يومنا هذا رغم كل ما أصابها وما عانته بسببها، فهي التي جعلت منها قضية العرب المركزية، وتحملت إلى جانب الشعب الفلسطيني المظلوم كل المشاق والمتاعب التي ترتبت على الصراع من أجل تحرير أراضيه المحتلة واستعادة حقوقه المغتصبة، وعوضت "تخاذل" بعض "الأشقاء" وخروجهم من الصراع وتخليهم عن القضية تحت عناوين ومبررات غير مقبولة، وهي التي لعبت الدور الأكبر في إنتاج وتكريس فكر وثقافة المقاومة للمشاريع المعادية، بعد أن فقد العرب الرسميون نغمة التضامن والعمل العربي المشترك في كل ما يتهدد مصيرهم ومستقبلهم، وقد كانت سورية السباقة في دعمها للمقاومة الفلسطينية وقدمت لها أقصى ما تستطيع من المساعدة والاحتضان والدعم السياسي، في الوقت الذي كان معظم العرب يخرجون الواحد تلو الآخر من مسؤوليته تجاه مأساة الشعب الفلسطيني، وقد كان لسورية الدور الأبرز في دعم كل أشكال المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية واللبنانية، وقد استطاعت ردم الفجوة التي أوجدها التخاذل والانبطاح والتخلي العربي عن قضية فلسطين وعن نهج المقاومة، وهذا كان السبب الأكبر لاستهدافها بالعديد من المخططات العدوانية من أجل الضغط عليها وإرغامها على التنازل عن الحقوق العربية.
قد يظن البعض أن انضمام مستعربين جدد إلى مسلسل التطبيع مع الكيان الغاصب بحجة السعي من أجل السلام، قد يضعف القضية الفلسطينية أو ينال منها ومن مكانتها في الوجدان العربي، وهذا هو الهدف الذي يسعون لتحقيقه كي يستطيع الكيان الصهيوني استكمال الصفقة المشؤومة الموعود بها، ولذلك نرى محور العدوان على سورية وأدواته الإقليمية يستغلون الحالة الصعبة التي وصلت إليها معظم الدول العربية بعد همروجة "الربيع العربي" لخدمة المشروع الصهيوني، ولكن ظنونهم وأوهامهم ومخططاتهم ستذهب أدراج الرياح عاجلاً أم آجلاً، مادامت روح المقاومة والتضحية موجودة في هذه الأمة وما دامت فلسطين هي بوصلة الشرفاء والأحرار في العالم.


طباعة