مقال بوتين تحت المجهر.. رؤية واقعية لحل الأزمات الدولية


ثورة أون لاين – ناصر منذر:

في ظل هذا الكم الكبير من الأزمات العالمية، وما تخلفه من آثار وخيمة على مستقبل العالم والعلاقات بين الدول، لاسيما وأن سياسات الولايات المتحدة والغرب تساهم بشكل كبير في توتير الأوضاع على الساحة الدولية، وتعتمد سياسة الإقصاء بقصد الهيمنة، يأتي المقال الذي كتبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل يومين بمثابة خارطة طريق لكيفية تجاوز التحديات العالمية، والخروج بحلول واقعية للأزمات الدولية العاصفة، وبناء نظام عالمي جديد يقوم على العدالة والمساواة والاحترام المتبادل بين الدول، بعيدا عن سياسات فرض الإملاءات والضغوط على الدول الأخرى.
وفي المقال الذي تلقت "الثورة" نسخة منه ونشرته وكالة سبوتنيك، ركز الرئيس بوتين على جملة من المسائل الرئيسية يأتي في مقدمتها سياسة الضغوط الاقتصادية، فاعتبرها أمرا غير مقبول، وقال: "من غير المقبول تحويل الاقتصاد إلى أداة ضغط ومواجهة".
هذه المسألة تعتبر من أكثر القضايا الملحة التي يجب التصدي لها ومواجهتها، حيث سياسة العقوبات وفرض الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة على العديد من الدول التي تناهض سياساتها ومنها سورية، تعتبر من الأسلحة الأكثر تهديدا لحياة الشعوب وأمنها، وهذه السياسة خارجة عن كل القواعد والمواثيق الدولية، والعالم اليوم بات بحاجة ماسة للتكاتف والتعاضد لوضع حد لها، خاصة وأن أسلوب فرض العقوبات يعتبر بمثابة جرائم بحق الإنسانية.
ومن النقاط المهمة أيضا تحذير الرئيس بوتين من إهمال دروس التاريخ، مؤكدا أن ذلك سيعود بعواقب وخيمة، وإشارته إلى أن الغرب يحاول تحريف تاريخ الحرب العالمية الثانية، وإنكار تضحيات الاتحاد السوفييتي خلال الحرب، وقال إنه من الضروري أن ننقل إلى الأجيال القادمة حقيقة أن النازيين هزموا أولا وقبل كل شيء من قبل الشعب السوفييتي، وأكد أنه من المستحيل إنكار ذلك في ظل وجود الوثائق الأصلية التي يمكن العثور عليها ليس فقط في الأرشيفات الروسية، ولكن أيضًا في الأرشيفات الأجنبية.
وأكد الرئيس بوتين أن التشكيك في دور الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية يساهم في تقويض أسس النظام الدولي المولود عام 1945، حيث تم تأسيس منظمة الأمم المتحدة، مشيرا إلى أن الحرب العالمية الثانية لم تحدث بين عشية وضحاها، ولم تبدأ بشكل غير مفاجئ.
وتأتي أهمية هذه المسألة في ظل المساعي الأميركية والغربية المحمومة لتزييف الحقائق التاريخية، وتشويه صورة الانجازات التي قدمتها الشعوب المناضلة من أجل صون استقلالها وسيادتها والحصول على حياة حرة وكريمة.
ومن أبرز النقاط التي ركز عليها الرئيس بوتين ضرورة التوحد لمواجهة الأزمات العالمية، واتخاذ السبل والآليات الكفيلة لضمان عالم يسوده الأمن والاستقرار، وأشار في هذا الصدد إلى أهمية القمة المنتظرة لأعضاء مجلس الأمن التي دعت إليها روسيا في وقت سابق، وقال: "ما هي رؤيتنا لمضمون القمة القادمة؟ قبل كل شيء، نعتقد أنها ستكون مفيدة لمناقشة خطوات تطوير المبادئ الجماعية لحل القضايا الدولية".
وأكد أنه من الضروري إجراء مناقشة مفتوحة للحفاظ على السلام، وتعزيز الأمن العالمي والإقليمي، والحد من الأسلحة الاستراتيجية، فضلا عن الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب والتطرف وغيرها من التحديات والتهديدات الرئيسية.
في هذا السياق قال: "اليوم لا يمر العالم بأكثر الأوقات سلمية. كل شيء يتغير: من ميزان القوة والنفوذ العالمي إلى الأسس الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية لحياة المجتمعات والدول والقارات بأكملها. في العصور الماضية ، لم تحدث تغيرات بهذا الحجم تقريبًا بدون صراعات عسكرية كبيرة، دون صراع على السلطة لبناء هيكل عالمي جديد. بفضل حكمة وبعد نظر القادة السياسيين للقوى المتحالفة ، كان من الممكن إنشاء نظام يبتعد عن المظاهر المتطرفة لمثل هذا التطور التاريخي المتأصل للتنافس".
وهناك مسألة لافتة أيضا تتمثل بمعارضة روسيا لدعوات إلغاء حق الفيتو، وتجريد الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي من امتيازاتها، واعتباره تلك الدعوات غير مسؤولة، وقال في هذا الصدد:" ما هو حق النقض في مجلس الأمن الدولي؟ بصراحة ، هذا هو البديل المعقول الوحيد للصراع المباشر بين الدول الكبرى. تصريح إحدى القوى الخمس بأن الحل غير مقبول بالنسبة لها يتعارض مع مصالحها وأفكارها حول النهج الصحيح. والبلدان الأخرى، حتى لو لم توافق على ذلك ، تتخذ هذا الموقف كموقف معين، متخلية عن محاولاتها لتحقيق تطلعاتها الأحادية. أي بطريقة أو بأخرى، ولكن يجب البحث عن حلول وسط.
وأضاف: "إن الدعوات والمطالبات التي تم الاستماع إليها في كثير من الأحيان في السنوات الأخيرة لإلغاء حق النقض وحرمان الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن من الفرص الخاصة هي في الواقع غير مسؤولة. بعد كل شيء ، إذا حدث ذلك ، فإن الأمم المتحدة سوف تتحول بشكل أساسي إلى عصبة الأمم تلك إلى اجتماع للحديث الفارغ، خال من أي رافعات للتأثير على العمليات العالمية" .

وهذه نقطة تشكل برأينا غاية في الأهمية لأن الدول الساعية لإلغاء حق الفيتو تهدف لانتزاع هذا الحق من روسيا، لاسيما وأنها تستخدمه في مجلس الأمن لنصرة الشعوب في العالم وحماية حقها في الدفاع عن أوطانها وحماية سيادتها واستقلالها.


طباعة