بريطانيا وأفيون الاستعمار

ثورة أون لاين - ترجمة سراب الأسمر:
عام ١٩٨٧ قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة البريطانية الاحتفال في ٢٦ حزيران باليوم العالمي لمكافحة إساءة استخدام المخدرات والاتجار غير المشروع بها تأكيداً على تصميمها دعم التعاون الهادف للتوصل إلى مجتمع خالٍ من المخدرات.
اليوم تدرّ تجارة المخدرات غير المشروعة مليارات الدولارات، ومركزا الإنتاج الرئيسيين: هما أفغانستان التي تنتج حوالي ٩٠% من الطلب العالمي للأفيون، وفي عامي ٢٠٠٠-٢٠٠١ طرحت الأمم المتحدة برنامجاً للقضاء على المخدرات لكن منذ الغزو الأميركي عاد ليرتفع بمعدل ٥٠ مرة ليصل إلى ٩٠٠٠ طن عام ٢٠١٧.
أما المركز الثاني فهو منطقة الأندين في أميركا الجنوبية (كولومبيا- البيرو وبوليفيا) تنتج الكوكايين، حيث يشكل اقتصاد المخدرات جزءاً لا يتجزأ من بنية الإمبراطورية ويحظى بحماية الجهاز العسكري والمخابراتي الأميركيين.
دور الإمبراطورية البريطانية:
تاريخياً تشكل تجارة المخدرات جزءاً لا يتجزأ من الاستعمار البريطاني والتي طالما اعتبرتها "شرعية"، ويُصدّر الأفيون الذي تنتجه الشركة البريطانية للهند الشرقية في البنغال (BEIC) وإلى كانتون في جنوب الصين، كذلك يشكل تصدير الأفيون الذي تموله الحكومة من الهند البريطانية إلى الصين العملية الأكبر والأكثر استمرارية في تاريخ تجارة المخدرات، ففي منتصف القرن ١٩ كان الأفيون يشكل ١٥% من عوائد الدخل الاستعماري في الهند و٣١% من الصادرات الهندية، ولتموين هذه التجارة طوّرت شركة الهند الشرقية نظاماً زراعياً منظماً جداً حيث تم التعاقد مع أكثر من مليون مزارع سنوياً لزراعة الخشخاش وبشكل لا يستفيد المزارعون من أرباحه.
على الرغم من صغر مساحة الأراضي الزراعية المخصصة لزراعة الأفيون في ظل النظام الاستعماري إلا أن ذلك ساهم في إفقار الشعب وأدى إلى العديد من المجاعات.
في نهاية القرن ١٩ كان لزراعة الخشخاش تأثير على حياة حوالي عشرة ملايين نسمة، وأدار هذه التجارة شركة الهند الشرقية متعددة الجنسيات التي تأسست بموجب ميثاق ملكي منحها احتكار الأعمال مع آسيا، تجارة الدولة هذه تحققت بفضل حربين أجبرتا الصين على فتح أبوابها أمام شركة أفيون الهند البريطانية، وأهداف الإنتاج الصارمة التي وضعتها وكالة الأفيون، عمدت إلى إجبار المزارعين لتخصيص جزء من أراضيهم وعملهم لاستراتيجية تصدير الدولة المستعمرة.
الصين وحروب الأفيون:
حين أمر الإمبراطور الصيني تشينغ داوجوانغ بتدمير مخزون الأفيون في ميناء كانتون عام ١٨٣٨، أعلنت الإمبراطورية البريطانية الحرب على الصين بذريعة إعاقتها "لحرية الحركة" التجارية للبضائع.
ينطبق مصطلح "التجارة غير المشروعة" على بريطانيا العظمى، إذ تم تسهيل هذه التجارة في ظل حكم الملكة فيكتوريا (١٨٣٧ - ١٩٠١). عام ١٨٣٨ كان يتم تصدير ١٤٠٠ طن أفيون سنوياً من الهند إلى الصين، وفي اليوم التالي لحرب الأفيون الأولى ازداد حجم الصادرات بشكل مذهل.
فـ"حرب الأفيون الأولى" التي جرت بين عامي (١٨٣٨ - ١٨٤٢) كانت بمثابة اعتداء ضد الصين وتبعها معاهدة نانكسين ١٨٤٢ والتي عملت على حماية الإيرادات البريطانية للأفيون إلى الصين ومنحتها الحق في حروبها الاستعمارية، ويطلق عليها اليوم "غسل أموال المخدرات"، كما استخدمت عوائد الأفيون في تمويل بنك هونغ كونغ شنغهاي HKSB الذي تأسس عام ١٨٦٥ على أثر حرب الأفيون الأولى.
عام ١٨٥٥ نيابة عن وزارة الخارجية البريطانية أجرى السير جون بورينغ معاهدة مع مونغكوت ملك سيام "معاهدة الصداقة والتجارة الأنجلو سيامية" تنص على الاستيراد الحر وغير المشروط للأفيون من مملكة سيام التايلاندية، في حين تم إلغاء تجارة الأفيون البريطانية مع الصين عام ١٩١٥، واستمر الاحتكار البريطاني لتهريب المخدرات حتى استقلال الهند ١٩٤٧.
العنصرية والمخدرات والاستعمار:
ركز المؤرخون على المعاملة الاستعبادية الثلاثية: (تجارة الرقيق من إفريقيا نحو أميركا، تبعها استغلال اليد العاملة لزراعة المنتجات وتصديرها إلى أوروبا).
يقوم الفلاحون الفقراء البنغال بزراعة الأفيون ويصدر إلى الصين وتستخدم عوائده في توسيع الإمبراطورية البريطانية والتعدين في أستراليا وجنوب إفريقيا. ولا يتم تعويض الفلاحين الفقراء البنغال ضحايا تجارة المخدرات، فقد شكلت تجارة المخدرات الاستعمارية جريمة ضد الإنسانية، فالرق والاستغلال أمران عملا على تغذية العنصرية.
عام ١٨٧٧ وضع سيسيل رودس "مشروع سري" يقضي بدمج الإمبراطوريات البريطانية والأميركية في امبراطورية واحدة: الأنغلو-ساكسونية.
هناك استمرارية بين حرب المخدرات على النمط الاستعماري الذي قادته بريطانيا والهياكل الحالية لتجارة المخدرات.. أفغانستان في ظل الاحتلال العسكري الأميركي، ودولة المخدرات في أميركا اللاتينية.
اليوم أصبحت تجارة المخدرات تدر تريليونات الدولارات، ويقدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن غسل أموال المخدرات والأنشطة الإجرامية الأخرى تقع في حدود ٢ إلى ٥% من الناتج الإجمالي العالمي أي ما يصل إلى ٣ تريليون دولار ويتم غسل أموال المخدرات عبر النظام المصرفي العالمي.
منذ عام ٢٠٠١، أصبحت مبيعات التجزئة لمادتي الهيرويين والأفيون "مسلحة" لمحاربة العنصرية، الفقر واللا مساواة الاجتماعية.
إذاً، أصبحت تجارة المخدرات اليوم مصدر الغنى والإثراء، حيث تزايد الإدمان على المخدرات مثل الأفيون والهيرويين والمواد الافيونية الصناعية، ففي عام ٢٠٠١ قتل ١٧٧٩ أميركيا نتيجة جرعة زائدة من الهيرويين، وفي عام ٢٠١٦ تسبب إدمانه في موت ١٥٤٤٦ شخصاً، وكان من الممكن إنقاذ هذه الأرواح لولا غزو الولايات المتحدة وحلفائها لأفغانستان عام ٢٠٠١.
بقلم: ميشيل شوسودوفسكي
المصدر: موندياليزاسيون


طباعة