الأسباب الموجبة

لا تَحكم الأسباب الموجبة المُشرعين فقط في عملهم الذي يستهدف وضع قانون أو تشريع جديد، ولا عندما يستهدف العمل تطوير أو تعديل أو تحسين مواد ونصوص قانون آخر، بل تَحكم سَيرورة الحياة ويومياتها الغنية بالأزمات والمشكلات التي تقتضي الحل، والمملوءة بالتفاصيل التي لم تكن مَنظورة وتَستدعي التعامل معها على مستوى الفرد والجماعة، المجتمع والحكومات.

الوصفة السحرية في النجاح بالتعاطي مع كل جديد ومُستجد تَكمن في القبض العاقل المُتأني العلمي والعملي على الأسباب المُوجبة لاتخاذ هذا القرار دون سواه، ولإجراء ذلك التعديل بهذا المقدار لا أكثر ولا أقل، ومَرحى لمن يُجيد في هذه الحالة وتلك حُسن التدبير، ولمن يَمتلك قدرة النجاح ومُقوماته بمُقاربة المشكلة المطروحة ومعالجتها في البناء على الأمر مُقتضاه.‏

صحيحٌ أن الإنسان عدو ما يَجهل، وصحيحٌ أن الإنسان في طبيعته يميل للاستقرار ويخشى كل جديد، بل يسعى لمُقاومته في كثير من الأحيان لأنه يشعر بأن هذا الجديد سيهزه أو سيضطره لتغيير نمط حركته وسلوكه، غير أنه سيكون أقل اندفاعاً لفعل المقاومة أو الرفض عندما يُدرك الأبعاد والمُوجبات، وسيكون أكثر استعداداً للقبول عندما تُقدّم له الأسباب المُوجبة أو عندما يتعرف إلى الحيثيات التي من شأنها أن تُنتج وضعاً أفضل لا أسوأ.‏

تَقديم الأسباب المُوجبة لا شكّ أنه يُزيل الغموض ويَتكفّل بجعل الصورة أو الأمر أكثر وضوحاً وجلاءً، فضلاً عن أنه يُؤهل لفهم أعمق للمآلات والنتائج وليس فقط للمسار وإجراءاته، ولذلك كله فإن خير تمهيد أو تعقيب يسبق أو يلحق وضع أو تعديل تشريعات أو اتخاذ قرارات تهم الناس وعلى علاقة مباشرة بيومياتها، هو الاهتمام بتقديم وشرح الأسباب المُوجبة، وفتح أبواب الحوار حولها والنظر فيها وإليها من جميع الزوايا لو لزم الأمر.‏

التحولات الكبرى الحاصلة في العالم، والقفزات السريعة التي تتحقق في عالم الاتصالات والمعلومات، والتفجر المعرفي إضافة إلى السباقات المحمومة بين الدول في مجالات وعوالم الصناعة، يحتاج اللّحاق بها، أقلُّها في إطار الاستخدام والاستثمار المُنتج يحتاج لحركة دائمة ودؤوبة لا إلى الركون أو التمسك بحالة السكون، ولهذا ربما من المُسلّمات هو واجب الذهاب فوراً إلى توضيح الأسباب المُوجبة للعامّة، وهي مُتوفرة لا تحتاج جلسات عصف ذهني.‏

مواقع التواصل الاجتماعي المُتاحة اليوم للجميع ربما تتحمل مسؤولية اللغط الحاصل الذي خَبرناه في غير مناسبة - ما أُثير حول المناهج التربوية، حول البطاقة الذكية للمحروقات، حول إغلاق محلات البالة، وحول الاتصالات وتخفيض مُخصصات المخابز من مادة الطحين، وسواها - كان يمكن التخفيف من أثرها وامتصاص ما أثارته من انتقادات غير مسؤولة، ومن أحاديث غير مقبولة، لو تمّ التعاطي مع هذه الحالات أَخذاً بالأسباب المُوجبة التي كانت ستُسقط الكثير مما قيل قبل أن يُقال.‏

معاً على الطريق
علي نصر الله

التاريخ: الخميس 18-10-2018
رقم العدد : 16814


طباعة