الوجه الآخر لأزماتنا

افتتاحية الثورة- بقلم رئيس التحرير - علي نصر الله:

خلال سنوات الحرب والعدوان واجَهنا - المؤسسات الخاصة والعامة، الشعب، المُجتمع الصامد - سلسلة من الأزمات والاختناقات والصعوبات بمسعى توفير بعض المواد الأساسية والخدمات، تَحديداً الكهرباء والمَحروقات، ذلك بمَعنى الوَفرَة وبعيداً عن برامج التقنين القاسية أحياناً بالكهرباء وبما يَخص كميات مازوت التدفئة المَنزلية، والبنزين، المُحددة على البطاقة الالكترونية.

في كل مرّة واجهنا فيها اختناقاً أو أزمة بتوفر الكهرباء والمَحروقات، كنا نُواجه مباشرة مُشكلة بنقص المادة وليس بعدم وجودها، أي أنّ المادة مُتوفرة لكنها غير كافية لتَستمر معها الحياة والفعاليات اعتيادياً وبلا صعوبات، وبالتالي كان لا بد من جهة تُحسن إدارة الأزمة ببرامج التقنين وبتحديد وتَخصيص الكميات للمُحافظات بما يَكفل استمرار دورة الحياة والإنتاج والعمل بالحدود المَقبولة.

في حالة كهذه، ما المَطلوب من الجهة أو الجهات صاحبة الاختصاص التي تتصدى لإدارة الأزمة أو الاختناق؟ وما المُنتظر من المواطنين؟.

إذا كان ينبغي على الجهات الرسميّة التي تُدير الأزمة وضع الخطط الكفيلة بتَدوير الزوايا، دراسة دقيقة للمُواءمة بين الحاجة الحقيقية وبين المُتوفر من هذه المادة أو تلك، والعمل على تَوزيعها بعدالة - هو ما تُحاول هذه الجهات القيام به - فإنّ المُنتظر من المواطن أن يَتفهم الحالة، ويُبدي استجابة تتناسب مع حجم المُشكلة.

قد يُشير كثيرون في مَعرض تَعبيرهم عن الضيق من تَكرار الأزمات إلى ضَعف الإدارة وربما إلى سَوءاتها. وقد يقول آخرون أنّ ثمة خيارات مُتاحة من شأنها أن تُخفف من الأزمة لكنّ الجهات المَعنية لم تلجأ لها، سواء ما يتعلق منها بمُحاربة التهريب التي تَشمل المُشتقات النفطية والقمح والطحين، أو ما يتصل منها بالاحتكار والتلاعب بالأسعار والعدادات والأوزان في مَحطات الوقود والمخابز، ليَنسحب الأمر ذاته من مُلاحظات تَرقى لمُستوى الاتهامات ليس فقط على صناعة الرغيف وإنما على الأدوية والأسمدة والأعلاف وسواها، وصولاً لآليات التوزيع والإتجار الأناني الرخيص من قبل البعض بهذه المواد والسلع الأساسية.

ما يَنسحب - حسب زعم الكثيرين - على الخبز والمُشتقات النفطية وسواها، يَنسحب على الكهرباء، لناحية تَوجيه الاتهام أيضاً بوجود إدارة ضعيفة أو غير ناجحة. نسبياً قد يكون ذلك صحيحاً، هو ما لا يمكن إنكاره ويجب الاعتراف به كأحد وجوه هذه الاختناقات والأزمات، غير أنّ الوَجه الآخر لجميع هذه الاختناقات والأزمات يَنبغي أن يُرى أيضاً من باب الإنصاف.

قبل الحرب العدوانية الإرهابية التي تَستهدف سورية بمَوقعها ودورها، هل كانت هذه الأزمات تقع مُتكررة؟ بالتأكيد لا، بل كانت الدولة - رغم الحصار المفروض عليها منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي - تُوفر حزمة أكثر اتساعاً من المواد بأسعار مَدعومة تُكلفها مليارات الليرات كل صباح، غير أنّ حجمَ الهجمة الحالية التي تَزداد شراسة، وظروف الحرب والحصار، والتكالب الصهيو-أطلسي المُتجسد باحتلال مناطق غنية بالثروات الوطنية - منطقة الجزيرة حيث آبار النفط والغاز وحقول القمح - والمُتمثل بالنهب والتدمير المُمنهج للبنى التحتية والأساسية، فضلاً عن فَرض العقوبات على الأطراف الدولية والشركات الأممية وتَهديدها، هو الوجه الحقيقي الآخر لهذه الأزمات، هو السبب المباشر الذي يُنتجها، ذلك في إطار التَّعويض عن الفشل والإخفاق، وفي سياق مُحاولة تَحقيق ما لم تَستطع قوى العدوان وتَحالفها الشرير تحقيقه بالحديد والنار وبتوظيف المُرتزقة والإرهاب الصهيو - تكفيري.

إذا كان هناك أزمة إدارة أو حالة إهمال أو تقصير، فإنّ الحكومة بأجهزة الرقابة ومؤسسات التدخل الإيجابي بالأسواق تُلاحق هذه الحالة مُعالجةً للثغرات وضَبطاً لحالات الفساد والاحتكار والتهريب والفوضى السعرية، لكنّ المُنتظر من المواطن التعاون معها، وتَفهم ظروف الحرب والحصار، وربما الأهم أن نَطرح على ذواتنا كمواطنين السؤال التالي: لو أنّ الوَفرة هي عنوان، فلماذا تَلجأ الحكومة لبرامج التقنين وحَصر المُخصصات وتَحديدها؟.

الوجهُ الآخر لأزماتنا هو العدوان والحصار والعقوبات الظالمة أحادية الجانب، فحبة الدواء ومادتها الفعّالة، حبة القمح ومواد غذائية أخرى، قطع غيار الآلات ووسائل الإنتاج، المصارف وقنوات التبادل التجاري، كل أشكال التقانات ومُستلزمات الصناعة الوطنية وإعادة الإعمار .. وغيرها من باقي القطاعات الإنتاجية تَخضع للتضييق والحصار، ودائماً لمُمارسة أقصى الضغوط علينا.. هذا ما يجب أن يُرى أولاً مع التحلي بالصبر الاستراتيجي لتعزيز حالة الصمود.

 


طباعة