الحرائق بأثر رجعي (2)

  افتتاحية الثورة - بقلم رئيس التحرير - علي نصر الله:

بين التاسع من أيلول الماضي والتاسع من الشهر الجاري تَكرر المَشهد ذاته: حرائق تَلتهم آلاف الدونمات، مئات الهكتارات من الحقول والحراج، مرّة في مصياف والغاب وغابات المناطق الساحلية الساحرة، ومرّة في السويداء .. وهكذا، ليَتناقص في المُحصلة عدد الأشجار المُثمرة، والحَراجية، وليَبدأ الحديث عن تَخصيص ملايين الغراس لتعويض المساحات المُحترقة، ولتَجري سجالات وتَجاذبات حول الجاهزية والأهلية في مصلحة الحراج والدفاع المدني والبلديات بما يخص التعاطي مع الحرائق المُحتملة مستقبلاً، فضلاً عن الحديث عن سبل الوقاية.

المَشهد المُؤلم الذي تَخطى حدود وعتبات الوَجع، إن استمر 24 ساعة أو 48 ساعة، فإنه سيَنتهي بكل تأكيد، لكن على أيّ نتيجة سيَنتهي؟ وإلى أي استنتاجات يَنبغي أن يَقود؟ وأيّ استحقاقات يَفرضها ويَضعنا جميعاً بمُواجهتها كمُواطنين وكجهات أهليّة ورَسمية؟.

خلال شهر بالتمام والكمال تتحدث لغةُ الأرقام عن خسارة فادحة، نَتحدث هنا عن آلاف الدونمات وربما أكثر من مئات الهكتارات من المحاصيل والحراج، بل نَتحدث عن أضرار من غير السهل تَقديرها وتَعويضها في وقت قصير، فهل من الواجب أن تَقودنا هذه الأرقام للبحث عن أنماط عمل مُختلفة وعن آليات جديدة فيه، سواء لجهة تعزيز التجهيزات أم لجهة تأهيل الكوادر، وإدارتهما إدارة واعية، لا تُسقط من حساباتها أسوأ السيناريوهات المُتصلة منها بيد عابثة مُتعمدة، والمُتعلقة منها بسرعة رياح كبيرة، أو بحالة جفاف مُحتملة تترافق مع تَسجيل درجات حرارة مُرتفعة وقياسيّة؟.

عندما تَندلع عشرات الحرائق بالتزامن، وفي مناطق مُتباعدة، من حق الجهات ذات العلاقة أن تَضع فَرضية العبث وافتعال الحرائق، لكن من واجبها أيضاً أن تُطلع الرأي العام على مُخرجات تَنتهي إلى الإعلان عن نتيجة التَّحري والتقصي والتحقيق بتَحديد أسباب الحرائق، بمُلاحقة مُفتعليها ومُحاسبتهم، بتَحسين جودة عمل المَخافر الحراجية، بوَضع مَزيد من التجهيزات والآليات بالخدمة لتَستجيب للحالات الطارئة بالسُّرعة المَطلوبة، سياراتُ إطفاء، تركسات، بلدوزرات لفَتح الطرق، مَصادر مائية من سَدات وسدود، والأهم ربما وَضع خطة طوارئ تُحدد بالعدد وبدقة وظيفة ومهمة كل جهة فَضلاً عن تَحديد حصص هذه الجهات من الآليات والكوادر التي يَجب أن تَنخرط بعمليات الإطفاء من دون تأخير.

إذا كان من الصّعب مَنع وقوع الحرائق للأسباب التي يَعرفها الجميع سواء المُتصل منها بالطبيعة، أو المتصل منها بطبيعة اللصوص والأشرار، فإنّ من شَأن وَضع الخطط المُحكمة في التعاطي مع الحرائق أن يُقلل الخسائر والأضرار، وألّا يَجعلها تَمتد وتَخرج عن السيطرة فتَحل الفاجعة الكارثة، وإلّا فما الجَدوى، أو ما مُوجبات وجود مديريات بمؤسساتنا بهذا الاختصاص؟ ولماذا إذاً لدينا جهات مَعروفة بالاسم صلبُ عَملها ووظيفتها حماية الغابات والحراج كثروة وطنية؟.

لا شك أنّ ثمة إهمالاً وتَقصيراً يُمكن تَسجيلهما بحق المُزارعين والمُصطافين، وما من شك أنّ هناك تُجاراً أشقياء، هَمهم التَّحطيب والتفحيم الجائر، وتَحقيق الأرباح على حساب ثروات الوطن وطبيعته الساحرة، لكن بالمُقابل هناك ما يَجب أن نَعترف به من أنّ جمعياتنا الفلاحية والتعاونيات والبلديات وإدارة الحراج وسواها لا تَقوم بعملها بالجدية المَطلوبة ولا تُلاحق تَفاصيله بالمَسؤولية الكافية!.

بأثر رَجعي يجبُ أن نَتعاطى مع كارثة الحرائق المُتنقلة والمُتكررة، وإنّ الاعتراف بالمُشكلة يُمثل نصف الحل، إذ لا بُد من نَشر الوَعي لدرء المَخاطر، لا بُد من الكَشف عن الأشقياء ومُحاسبتهم، لا بُد من خَلق آليات عَمل أكثر جَدوى في المُراقبة من أجل الوقاية، ولا بُد أخيراً من تَفعيل عَمل كل الجهات ذات العلاقة، والتَّشبيك فيما بينها بتَحديد المهام هو الأمر الذي من شَأنه أن يُصوب الأداء ويُعزز التعاون والتكامل .. حَمى الله سورية.

 


طباعة