بين الخطاب والفعل..

 

افتتاحية الثورة - بقلم رئيس التحرير - علي نصر الله:

طَوى الأميركيون صفحة دونالد ترامب، هذا صحيح ربما. وقد يكون صحيحاً أيضاً أنّ العالم يَطوي في هذه الأثناء الصفحة ذاتها، لكن ما شَكل وما مَضمون الصفحة التي تُفتح للتّو مع جو بايدن؟.

إذا كانت صفحة ترامب مُتخمة حَماقات وبَلطجةٍ، حالها حال صفحة بوش الصغير وأغلبية الرؤساء الجمهوريين السابقين، فإنّ الرصد يُشير إلى أن صفحة باراك أوباما وصفحات أغلبية الرؤساء الديمقراطيين السابقين لم تَخل من الحماقات التي كانت مستوياتها أضعف منها لدى الجمهوريين بمُقابل التفوق بتسجيل تُخمة في التضليل وفرض الهيمنة والسيطرة بالحروب الناعمة.

لا يَنبغي أن تكون الذاكرة ضعيفة، ولا يجب أن يتم إسقاط أيّ من الممارسات الأميركية التي ضجّ بها العالم مرّات ومرات يَثبُت معها على نَحو قاطع أنّ الفرقَ بين الديمقراطيين والجمهوريين مَوجود، إلا أنّه الفرق غير المُؤثر، بل هو بلا قيمة تُذكر، إذ لا خلافات بينهما في العُمق والاتجاه والفعل وإنما في الخطاب والتكتيك فقط.

المحكات التي ستؤكد أن لا خلافات جوهرية مُؤثرة قائمة بين الجمهوريين والديمقراطيين كثيرة مُتعددة، اختبارها مع بايدن سيكون مُتاحاً بكل تأكيد، ليَتضح بعدها أنّ الدولة العميقة التي أتت بترامب لتحقيق غايات مُحددة بتوقيت تَنصيبه كأحمق، هي ذاتها التي تأتي ببايدن الذي جَرى التشكيك بقُدراته الذهنية فضلاً عن كفاءته، ذلك أيضاً لتحقيق ماأمكن من غايات هذه المرحلة.

العَناوين التي من شأنها أن تَكشف على نحو واضح حقيقة أنّ التباين بين ترامب وبايدن لن يَتخطى المُفردات المُكونة للخطاب الأميركي دون الفعل، هي أيضاً مُتعددة، قد تَبدأ بما يتصل بالناتو، بالحروب التجارية الاقتصادية، بالصراعات المُتفجرة وبؤر التوتر حول العالم، لكنّها لن تَنتهي عند حدود مَوقف واشنطن تجاه العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي انسحب منها ترامب، لتَصل إلى قضايا البيئة ودور المؤسسات الدولية والأممية "هيئات ومحاكم ومنظمات مختصة".

لعل العناوين والمحكات الكاشفة بوضوح أكبر تَتركز هنا، في منطقتنا، تلك المُتصلة منها بالقضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الصهيوني، وتلك المُتعلقة بالاستثمارات الأميركية القذرة بالإرهاب التكفيري وغاياته الشيطانية سواء ما يتصل منها بخلق بيئة تُسوغ يهودية الكيان الإسرائيلي، ذلك بمحاولة تمزيق المنطقة وتقسيم دولها على أسس عرقية ودينية، أم ما يتصل منها بمحاولات فرض السيطرة وممارسة النهب إضعافاً لهذه الدول وتَمكيناً لكيان الإرهاب المُنظم "إسرائيل".

حديثُ الجمهوريين والديمقراطيين عن رفض الاستيطان الصهيوني لم يَتخط مرّة حدود الخطاب وصولاً إلى الفعل إلا لجهة الدعم فمرّة يكون دعم هذه الإدارة لخطوات الاستيطان أعظم من تلك جمهورية كانت أم ديمقراطية. هذا يُؤكد أنّ الخط واحد والاتجاه مُوحد، وأن لا فرقَ يُذكر بينهما!!.

القدس والجولان، التطبيع، أبوية أميركا للإرهاب، الأحادية المَرفوضة، هي عناوين أساسية تُضاف إلى المحكات التي ستَكشف سريعاً أنّ بايدن وترامب وجهان لعملة واحدة، فإذا كان ترامب قد وقّع وبَدأ إجراءات نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، واعترف بالجولان السوري المُحتل كجزء من كيان الاحتلال، فإنّ بايدن ما لم يستكمل خطوات ترامب فإنه لن يَتخذ ما يُخالفها.

ما يَصح في مسألة القدس والجولان والاستيطان والتطبيع وتوفير الحماية للكيان الصهيوني، سيَنسحب على الكثير من القضايا والمسائل والتفاصيل، ليَتأكد مُجدداً أن أميركا لا تتغير بتغيُّر الرؤساء والإدارات انتماءً للحزب الجمهوري أو الديمقراطي، بل هي خط آثم موحد، فعله واحد بخطابين، أو بأكثر!.

 

 

 


طباعة