في معاني السيادة والانتماء

 

افتتاحية الثورة _ بقلم رئيس التحرير _علي نصر الله

مَطلع الشهر الجاري، وللمرّة الألف بل ربما يَزيد، وقف أهلنا في الجولان السوري المحتل بمُواجهة الاحتلال الصهيوني مُتحدين إجراءاته القمعية، ومُصمّمين على إسقاط مشاريعه الاستيطانية النهبوية الجديدة بإقامة توربينات هوائية عملاقة، يحاول العدو الإسرائيلي من خلالها تكريس الاحتلال والمُصادرة.

كما رفض أهلنا في الجولان المحتل قرار الضم الباطل، وكما أكد أهلنا تمسكهم بالهوية الوطنية وبانتمائهم للوطن الأم سورية، يُجددون بكل مناسبة مع السوريين كل السوريين تَجذّر الجولان في الوَجدان الوطني قضية عادلة، ومساحة عزيزة غالية ستبقى نبض القلوب وخفقان الأفئدة، حتى يعود.. يَقيننا أنه عائدٌ.

ليس كلاماً إنشائياً ما نُردد، بل فعل وطني حقيقي مُجسداته وتَرجمته وقائع تَفقأ الأعين، في الميدان، في السياسة، على المنابر، وعلى أرض الواقع، وإلا فلماذا التكالب الدولي الصهيو - أطلسي على سورية؟

حربُ تشرين التحريرية كانت الفعل البطولي المُؤسّس لرفض الاحتلال والطّغيان، والخطوة الأهم على طريق التحرير الكامل ليس للجولان فقط، وإنما لفلسطين كقضية عادلة لا مَثيل لها في التاريخ المعاصر، إحقاقاً للحق، وصيانة لحقائق التاريخ والجغرافيا التي لن تُغيرها اليد العابثة صهيونيةً كانت أم أطلسيةً أم أميركيةً.

لا قيمة لقرار الضم، لا قيمة لاعتراف الأحمق دونالد ترامب، لا قيمة لتوقيعه الاستعراضي الاستفزازي، فالقدس والجولان جذرٌ وأُسٌّ وأساسٌ، يعرف ذلك ترامب ونتنياهو.. من سبقهما ومن سيتبعهما، وإنّ في الحركة الأصيلة الجارية على تراب جولاننا الطاهر ما يَعتمل مَعاني السيادة والانتماء التي لا يفهمها غير السوريين المؤمنين بالوطن والحق، وسوى الأنقياء الذين لم يُلوثهم البترودولار.

المُقاطعة، رفضُ التطبيع، رفضُ صفقة القرن، المُقاومة. هي مُفردات إذا كانت قلة قليلة من عالمنا العربي والإسلامي تُرددها بهذه الأثناء مع السوريين، فإن ذلك لا يَنتقص من أهميتها بما تُمثل من خط، كثقافة وطنية أصيلة، وكفعل نبيل مُشرف، بل إن ذلك يُضفي عليها المزيد من الأهمية، صحيحٌ أنه يُحملنا مسؤوليات أعظم نتصدى لواجب النهوض بها بكفاءة وبعقيدة راسخة، لكن الصحيحَ أيضاً أنها تَكشف معسكر المُطبّعين المُتخاذلين المُستسلمين، وتَفتح لهم صفحات جديدة في سجلات العار، وتُثبت إقامتهم على الضفة الأخرى.

ليس كلاماً إنشائياً ما تَقَدّم، بل حقيقة يَألم منها العدو بامتداداته وأذرعه، يَستشعر فشله وإخفاقاته، يُحاول الالتفاف عليها فتتجدد. تتحول الاعتداءات هزائم، والمخططات كومة ركام. كيف؟ هل سأل المُشككون كيف كان ذلك؟ وكيف يكون؟

بالصمود السوري، بالإيمان والعزيمة والثبات، بتحمل الصعاب والمشقات، وبالجَلد والاعتماد على الذات الغنية بالقُدرات المَكنوزة كرامةً وإباءً المَشفوعة بالاستعداد الدائم لتقديم التضحيات حفظاً للأوطان والمُقدسات، حماية للتراث والتاريخ والقيم، وترسيخاً للدور الحضاري المُؤثر.

حركةُ أهلنا في الجولان ليست استثناءً ولا حالةً عابرةً تَطويها الأيام والأسابيع على قبول واقع يَفرضه الاحتلال، بل صارت دستوراً وطنياً بَرهنته السنوات الطوال، دلالته مُقاومة المُحتل أربعة عقود خلالها لم يجد الوهن أو الشك طريقاً سالكاً، ولا تَسلل الضعف أو اليأس إلى النفوس الأبيّة، بل أنتجت حالة وطنية تزداد اتقاداً وتمسكاً، تُعززها إجراءات المُحتل الواهم وشراسة الهجمة التي تستهدف سورية، بالإرهاب، بالعدوان، بالتحشيد، بالضغط والعقوبات.. ودائماً لنكون على موعد يُقدم فيه السوريون مَعاني جديدة في السيادة والانتماء، أكثر بلاغةً، وأثراً أهم يُلامس، بل يَرقى إلى اليقين.

 

 

 

 


طباعة