السياسة بلغة المقاول

 

افتتاحية الثورة - بقلم رئيس التحرير - علي نصر الله:

 

 

مع جورج بوش الصغير حصلَ انتخابياً ما يُشبه الحاصل مع دونالد ترامب - جو بايدن، غير أنّ مَقالات التزوير والتشكيك بنتائج الانتخابات الرئاسية آنذاك لم تُؤد إلى تجاوز سقف التشكيك والاتهامات المُتبادلة التي انتهت إلى غير ما يُريد ترامب أن يُنهيها ذلك بتغليب ممارسة السياسة بلغة المُقاول لا بتغليب رأي المحكمة والإقرار بنتيجة الفرز والإعلان النهائي للفائز.

مَشهدية الكونغرس 6 - 7 كانون الثاني 2021 لم تكن عبثية بل مُبرمجة بَيَّتَ لها ترامب، واستشعرها أوباما وسواه من المُقيمين في بيت الشرور الأميركي حيث تَكاثرت دعواتهم إلى أهمية ضمان الانتقال السلمي للسلطة، وهي دعوات غريبة، ومُستهجن جداً أن يُطلقها رؤساء سابقون وسياسيون فهذه أميركا وليس بلداً إفريقياً، أميركا التي تُنظّر بالديمقراطية وتُصنِّع نماذج منها للعالم، تُجبر العالم على استيرادها وتَفرضها على شعوبه رغم عدم حاجتهم لها إن لم يكن رفضهم لها!.

في أميركا صار انتقال السلطة من إدارة نازلة لأخرى صاعدة أمراً عسيراً دونه تَعطيل مؤسسات أنتجته سجالات مسعورة أنتجت بدورها انقسامات حادّة تُرجمت حركة في الشارع وصولاً إلى اقتحام مبنى الكونغرس مع كثير من العنف وإطلاق الرصاص فضلاً عن الاعتقالات والأعمال المجنونة التي أقدم عليها أنصار ترامب انسجاماً مع جنونه، فما دلالاتُ ذلك؟ وإلى أين يقود أميركا؟.

أسئلة قد تبدو تقليدية لكنها في الواقع عميقة جداً وغير مَسبوقة، سيَجري طرحها طويلاً ربما في أميركا وخارجها، وسيُبنى عليها الكثير أيضاً، ذلك أنّ المسألة لا تَنحصر بمزاج مجنون مَيَّزَ ترامب وبرحيله ستُطوى الصفحة هكذا ببساطة، بل الأمر مُتعلق بطبيعة النظام وبكذبة الديمقراطية التي تَغزو بها أميركا العالم وتُصادره قبل أن تَنهشه لحماً وعظاماً وروحاً.

هناك تَوصيفات مُتعددة للحالة، منها ما يَعتبر الذي جرى ويجري أحد مؤشرات تراجع أميركا وانكفائها القسري بمُقابل ذهاب العالم إلى نظام جديد يُزيح القطبية الأحادية، وأُخرى ترى أن ذلك يَنطوي على ما هو أعمق من حالة وباء سياسي ستترك من الآثار ما لا يمكن للمجتمع الأميركي ونظامه السياسي تجاوزه بسرعة ومن دون تغييرات جذرية قد تُفككه، بينما تذهب توصيفات الكثيرين للقراءة بطريقة مختلفة جَذرها وأساسها ينطلق من حالة الإفلاس والبلطجة التي أصبحت سمة لأميركا من بعد تَكسر مشاريعها حول العالم عموماً، وفي مُواجهة إيران ومحور المقاومة بشكل خاص.

البعضُ كان يَحسبنا نُغالي عندما كنا نقول بثقة من أنّ صمود سورية ومن معها من الحلفاء والأصدقاء سيُؤدي لنشوء نظام عالمي جديد أكثر كفاءة، فهل صارت الصورة أكثر جلاءً اليوم أمام هؤلاء؟ سنَبقى نُشكك بقدرتهم على رؤية موضوعية طالما أنّ مجلس التآمر الخليجي أظهرَ بعد المُصالحة القسرية تلك المَقادير من الوهم المعبر عن حالة الانفصال عن الواقع، ذلك في بيان ختامي يَجتر الوهم ويُقيم في الزمن الذي طَوته إلى غير رجعة الوقائع والتطورات الميدانية والسياسية، وطالما أنّ الغرب مُمثلاً بأوروبا العجوز ما زال على تَبعيته المُذلة لأميركا يُعطل قدراته على النهوض ويُسيء مرة بعد أخرى بفهمه لمسارات التاريخ، ويَجعل من كيانه كياناً هَشاً لا مَعنى له!.

لقد صادقَ الكونغرس على فوز بايدن بالرئاسة، لكنّ صفحة الإثارة والعبثية الترامبية بمُحاولة الانقلاب لن يكون بمقدور بايدن والأميركيين تَجاوزها بسهولة، فالانقسامات باتت حالة قائمة، الثقة اهتزت، الأوراق احترقت أو تبعثرت، الملفات الممزقة بحاجة لقدرات خارقة تُعيد تجميعها، تَركة ترامب ثقيلة جداً، وهناك على الطرف الآخر من يَرسم مُعادلات قوّة حقيقية، يَفرض قواعد اشتباك جديدة، يَبني تحالفات متينة مُمتدة، ويَضع مُحددات راسخة تُبقي الخصم بحالة ضياع وبين خيارات كل منها أصعب من الآخر .. بينما هو يتقدم بثبات يُعدّل الموازين لصالحه في خط صاعد يُقدم درساً عميقاً لمن يَتوهم نجاح إدارة السياسة بلغة المُقاول.

 


طباعة