وجه أميركا.. أي حقيقة؟

 

افتتاحية الثورة - بقلم رئيس التحرير - علي نصر الله:

في الأسبوع المُتبقي من ولاية دونالد ترامب المَهزوم في الانتخابات والسياسة، قد يكون مُهماً للعالم أن يُتابع تداعيات اقتحام الكونغرس، ومساعي المحاكمة والعزل التي يَمضي بها مجلس النواب الأميركي واللجنة القضائية فيه، غير أنّ الأهم هو أن يُدرك العالم ولو مُتأخراً حقيقة وجه أميركا الذي كشفَ عن صورة ما كان يرغب كثيرون برؤيتها كصورة حقيقية لأميركا.

حتى بعد الذي حصل 6 - 7 كانون الثاني 2021 ربما يتم العثور على كثيرين من المُنكرين الذين لا يريدون رؤية حقيقة أميركا، على الرغم من أنّ الإنكار من عدمه لن يُغير بهذه الحقيقة، ولن يُبدل بواقع خضوع هؤلاء لإرادة سياسة البلطجة الأميركية. هو الأمر الذي يستدعي أن تَسأل زُمر التابعين المُرتهنين لأميركا أسئلة راح يَطرحها الأميركيون ذاتهم، لكن بالمُفرد والجمع ستبقى حال هؤلاء على ما هي عليه: أعجز من مُلامسة الحقيقة والأسئلة، لا فهمها والبناء عليها.

جرى حديثٌ عن 75 مليون أميركي كان طوفان المُقتحمين للكونغرس يُمثلهم، فهل يَعكس ذلك سوى حجم الانقسام داخل أميركا؟ وإذا كانت هذه الملايين تُؤيد أعمال العنف والسرقة والنهب والتكسير لمَوجودات مؤسسة الكونغرس، فأيّ مُجتمع ديمقراطي هذا الذي افتُضح أمره مرة واحدة؟ تَبرز مع فضيحته، بأثر رجعي جميع فضائح الكونغرس كجهة شرّعنت بلطجة أميركا وحروبها العدوانية في أربع جهات الأرض؟.

الأسئلة المُتعددة المُتكاثرة التي تُطرح بهذه الأثناء لا تتعلق فقط بحركة التمرد والاقتحام وأعمال العنف التي تَكشف هشاشة الديمقراطية المَزعومة، ولا تَعكس مستوى الانحطاط الأخلاقي في المجتمع الأميركي فحسب، بل تتصل بالكامن في داخله وقد ظهرَ جلياً خلال ساعات قليلة لكنّها عبّرت بوضوح عن نتاج سياسي حضاري هزيل وعن تراكمات مُقززة كان يَنبغي أن تَظهر لتَنكشف حقيقة أميركا، مُجتمعها وطبيعة نظامها السياسي.

ليس صحيحاً أنّ أميركا مع إدارة جو بايدن ستتمكن من طي صفحة ترامب وأحداث الكونغرس التي قيل إنّ حفنة رعاع قامت بها، ذلك أنّ حالة الشذوذ أكثر عُمقاً والانقسامات أكبر مما تبدو، لا يَحتكرها الجمهوريون، ولا يمكن أن تُنسب لهم دون الديمقراطيين، إنما تَعكس صورة المُجتمع الأميركي الذي يَنتسب له الحزبان بالمفهوم السياسي والمُجتمعي والثقافي.

اقتحامُ الكونغرس، مَسعى العزل، والمُضي بمحاكمة ترامب، أحداث مفصلية ستَحفر عميقاً في النظام الأميركي، وستترك المزيد من الآثار التي ستطغى قبل أن يتمكن النظام الدولي من امتصاص التداعيات، وقبل أن يتمكن النظام الأميركي ذاته من تَجاوز الحاصل على الأقل بتقديم صورة تُوحي باستعادة الأميركيين صور الوحدة الوهمية التي تُصنِّعها واشنطن والدولة العميقة التي تُغرق العالم أيضاً بصور وهمية أُخرى تغزو من خلالها البحار وتُدمر المُجتمعات والاقتصادات الدولية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 


طباعة