إحداث الفرق المطلوب!

 

 

افتتاحية الثورة - بقلم رئيس التحرير - علي نصر الله:

التسريبات التي رَشحت عن جلسة مجلس الأمن الدولي المُنتهية لتوّها - الثلاثاء ليل الأربعاء - تُفيد بأن المبعوث الدولي غير بيدرسون دعا في إحاطته إلى توحيد الموقف داخل المجلس لكسر الجمود المُسيطر، مُشدداً على أهمية اعتماد دبلوماسية بنّاءة، ومُؤكداً أنه ما لم يجر ذلك فإنّ احتمالات تحقيق تقدم فعلي باجتماعات لجنة مناقشة الدستور بجنيف ستبقى قليلة.

الجلسة التي عقدها مجلس الأمن الدولي لم تخرج ببيان مشترك، بل تتحدث التسريبات عن الفشل بصياغة بيان تُجمع عليه الأطراف المُشاركة، هو ما يَعني أنّ الخلافات كبيرة، وربما نبرة بيدرسون المُرتفعة كانت التعبير المُباشر عن بيئة الجلسة وأجواء النقاشات الدائرة.

"كسر الجمود"، هو تعبيرٌ سياسي دبلوماسي لجأ له المبعوث الأممي، لكنه في لغة الواقع ينطوي على دلالات أخرى تتجاوز تَوصيف الحالة التي تحتاج إلى أكثر من "كسر الجمود"، وكذلك فإنّ الدعوة لاعتماد دبلوماسية بناءة، تنطوي على لغة سياسية لا تبحث عن إحراج أطراف بعينها، لكنها تُشير إلى مَطارح الشذوذ وإلى الممارسات غير المَقبولة في أقل تقدير.

ما الذي أراد بيدرسون أن يَعكسه بإحاطته التي تُلامس الواقع بنعومة الدبلوماسية؟ وما الذي علينا أن نَستنتجه سوى أن الرجل بات يُفكر بصوت مسموع، ويتحدث بنبرة مُختلفة خلافاً لأسلافه في المهمة المُكلف بها، وفي إطار البحث عن إحداث فرق في النتائج؟

احتمالاتُ التقدم، احتمالات تسجيل الفرق وإحداثه، ستبقى قليلة ما لم يَخرج مجلس الأمن بموقف مُوحد، وما لم يَتكسر الجمود، وما لم تكن الطروحات بنّاءة.. فهل الجهات التي تُعطل وحدة الموقف داخل المجلس إلا ذاتها هي التي تمنع تحقيق التقدم؟ وإلا ذاتها التي تبحث عن كسر الجمود، لكن بالاتجاهات الأخرى التي تتوهمها؟

إذا كان السيد بيدرسون قد لامس المُشكلة بعمق، فإنّ الذهاب إلى الأطراف المُعطلة ستبقى الخطوة الأولى التي يجب قطعها في المسار الذي لا تريد الولايات المتحدة له إلا التعطيل ثم التعطيل الذي تَشتغل عليه بالتوازي مع اشتغالها على مُحاولة تغيير المُعادلات التي تُتيح لها العودة بالوضع إلى المُربع الأول، فتُعوّض شيئاً من إخفاقات مشروعها، وتُعد منصات جديدة لمواصلة ما بَدأته من استهداف لم تتحقق غاياته.

التمترسُ خلف جبل الأوهام الصهيو أميركية، بتمزيق سورية، بضرب حلفائها، وبإسقاط المنطقة، لن ينفع، ولا جدوى منه، بل هو انفصالٌ عن الواقع خاصة بعد أن تمكنت سورية - مع الأصدقاء والحلفاء - من تفكيك تحالف العدوان وإسقاط ادّعاءاته، ومن دحر التنظيمات الإرهابية الداعشية وسواها، وبالتالي فإنّ الخيارات الأميركية ستبقى مُغلقة على احتمالين اثنين لا ثالث لهما، إما الاستجابة لدعوات بيدرسون بالانكفاء والتراجع، وإما رفض هذه الدعوات وتحمل المسؤولية التي سيَترتب عليها ما هو أعظم ربما من خروج واشنطن القسري المُذل من المنطقة.

القواعدُ العسكرية الاحتلالية الأميركية بمنطقة الجزيرة السورية، الاعتداءاتُ الصهيونية المُتكررة، مُحاولة إحياء الدواعش وإطلاقهم مُجدداً، دعمُ لصوصية أردوغان من جهة والميليشيات الانفصالية من جهة أخرى، إضافة لمُحاولة تعطيل مجلس الأمن و"جنيف" وتفاهمات سوتشي وأستانا، هي مع العقوبات الظالمة تُشكل مُفردات أساسية في السياسة الخارجية الأميركية، ما لم تتغير فإنّ شيئاً لن يتغير في السياسة والميدان إلا قسرياً، ستَصنعه حركة جيشنا الباسل على الأرض، ودبلوماسيتنا الهادئة، لكن الدبلوماسية الاستراتيجية، ولا حاجة لنا هنا لاستعراض ما صَنعنا، فالعدو يَعرف ويَألم.

إن أميركا مع بايدن أو مع ترامب، ليست أحد اللاعبين عالمياً، بل هي مركز قيادة التّخريب في كل الساحات، تعبث بجميع التفاصيل، تُواصل سياسة النهب والعداء والخصومة ذاتها هنا وهناك بهوامش حركة تكاد لا تُذكر، بدليل أن الإدارة الأميركية الجديدة لم تتجاهل فقط ملفات دولية أساسية، تبدأ من منطقتنا ولا تنتهي في روسيا والصين، إنما المُؤشرات الأولية تُفضي لاستنتاجات واضحة تؤكد تَمسكها بمُخططات العدوان والمصادرة والنهب والهيمنة ذاتها، هو ما يَعكس ربما استعجالها بجعل الأطراف الأخرى تُحدث الفرقَ المطلوب لكن بطريقتها!.

 

 

 

 

 

 

 

 

 


طباعة