مقومات الثقة

 

افتتاحية الثورة - بقلم رئيس التحرير - علي نصر الله:

في السؤال عن الثقة بين طَرفين، مِقدارها، ومَتانتها، قبل السؤال عن ثَباتها من تَزعزعها، وقبل الذَّهاب إلى أدوات قياسها، ينبغي البحث في مُقوماتها الأساسية، ذلك لنكون أبعد ما يمكن عن الأحكام المُسبقة السلبية منها والإيجابية على السواء التي تقوم غالباً على ما لا يمكن تجاهله أيضاً من عوامل تتصل بكل العناصر التي تبني الثقة وتُعززها، أو تلك التي تَهدمها وتُزعزعها.

اليوم يَحلو للكثيرين المُبالغة بالحديث عن غياب الثقة بين المواطن والمسؤول، بل عن انعدامها، لا عن تعزيز هذه الثقة، ويَدرج هذا الحديث على نحو واسع بعيداً عن القياس وبمَنأى عن مُناقشة المُقومات، استغراقاً بالسلبية واستسهالاً باستخدام لغة غير لائقة لا علميّة فيها ولا مَوضوعية، تَستند لعوامل ذاتية حيناً، وتَحتكم دائماً لوجع عام لا نُنكره، لكن لا يَجوز التنكر لطرح السؤال عن أسبابه.

لسنا في مَعرض الدفاع عن المسؤولين في المؤسسات العامة وصولاً إلى مجالس الإدارة المحلية والوزارات، لكننا نُحاول الوصول إلى فهم أعمق للحالة، للمُعاناة اليومية التي يُكابدها المواطن، وللصعوبات التي تُواجه المؤسسات في عملها ولا سيما الخدمية - الإنتاجية منها، والرقابية المُكلفة بالتدخل الإيجابي، سواء لجهة توفير الخدمات والسلع الأساسية أم لناحية ضبط الأسواق وإطفاء لهيب الأسعار التي لا تَهدأ ولا تَستقر حتى بين يوم وآخر.

ليست الثقة بين المواطن والمسؤول بحالة صِفرية كما يَحلو للبعض أن يقول ويُوصّف، نعم قد تكون اهتزت، تراجعت، ضعُفت، لأسباب كثيرة منها ما يتعلق بالسوق، المواد وَفرتها من فقدانها، ارتفاع أسعارها، ومنها ما يتعلق بالإنتاج ومُستويات الجودة، ومنها ما يتصل بتَردي الخدمات، لكن هذه الثقة ما زالت مَوجودة، وإذا ما تمّ قياسها فربما تتجاوز حدود المَقبول بالمؤسسات، والجيد بمُنتجات القطاع العام، ولتكون قولاً واحداً قويّة بالدولة.

مُقومات الثقة بالدولة، إذا كانت تقوم على مُرتكزات السياسة المَبدئية تجاه القضايا الوطنية والقومية: الجولان، فلسطين، المقاومة ضد الاحتلال، رفض سياسات الهيمنة والطروحات الليبرالية، فهي تقوم أيضاً على استمرار التزام الدولة بالمسائل التنموية والمعيشية: التعليم، الصحة، إضافة إلى القطاعات الخدمية والإنتاجية، وهو الأمر الذي يُوجب البحث بالمُشكلة، وبكل الحَيثيات والمُؤثرات التي تتحرك على نَحو يُظهر ضعف الثقة أو عدم قوتها وثباتها.

إضعافُ الثقة بالدولة والمؤسسات، والعمل على زعزعتها، لا شك أنّه عمل مُخطط، تُرصد له الأموال، وتُجند من أجله أجهزة ومؤسسات، وتَنبري لتحقيق غاياته دول وحكومات في إطار الاستهداف الذي افتُتحت له جبهات وجبهات لم تُوفر واشنطن - كمركز لقيادة تحالف الشر والعدوان - وسيلة ولا أداة إلا واستخدمتها منذ 2011 كامتداد مُتطور للسياسات الأميركية التي لم تكن يوماً إلا عدائية تَتَبنى المشروع الصهيوني بالمُطلق.

هذا ما لا يجب أن يَغيب عن الأذهان لحظة واحدة، فنحن نُعاني أولاً وأخيراً بسبب الهجمة الشرسة التي تَستهدفنا في لقمة العيش وحبّة الدواء، وفي مُحاولة تعطيل خطط التنمية والبناء، وإن نَسي الآخرون لا ننسَ مارغريت تاتشر وثمانينيات القرن الماضي، حيث العقوبات الظالمة والمُحاولات البريطانية الأميركية الأوروبية المُتقدمة آنذاك بالاستهداف، المُمتدة إلى اليوم بقوّة دفع صهيونية، نَجحت باستلحاق آخرين من أبناء المنطقة ومن خارجها.

الإجماعُ مُتحقق على أنّ الأسباب التي تقف خلف المُشكلات والأزمات التي تُنتج المُعاناة إنما تعود للحرب العدوانية التي يتعرض لها الوطن وما رافقها من حصار جائر وعقوبات ظالمة، بل إنّ الإجماعَ مُتحقق على أنّ عدم تَسجيل طفرة إيجابية بمُعدلات النمو إنما يعود لأسباب اتصلت دائماً بموقف سورية الأصيل والريادي المُناهض للسياسات الصهيوأطلسية الاستعمارية. هذا الإجماع عَينه هو ما عزز، ويُعزز الثقة بالدولة التي قاومت وصمدت وحافظت على السيادة والاستقلال والوحدة الوطنية والمُكتسبات، فما مُناسبة الحديث عن انعدام الثقة أو ضعفها؟ وما دوافع النفخ والتضخيم بالمسألة؟ وما سبل الرد والمُعالجة؟

إذا كان مما لا يَخفى أنّ مُناسبة الحديث المُتورم تتجلى باستثمار الصعوبات المَعيشية التي للأسف يَنجرف بعضنا خلف موجة استهداف خارجية تَستغل هذه الحاجات والصعوبات لتحقيق ذات أهداف الحرب والعدوان، فإنّ التَّصويب في هذا التوقيت بالذات واضح مَفضوح نحو استحقاق الانتخابات الرئاسية القادمة، الاستحقاقُ الذي يَعنينا نجاحه، ليس فقط لأنه شأنٌ سيادي داخلي مَمنوع على الآخرين التدخل فيه، بل لأن نجاحه هو جزء من نجاحاتنا الناجزة في مُواجهة الإرهاب ودَحره، وبإسقاط مشروعه الذي تقف وراءه دول منظومة تحالف الشر الصهيوأطلسية.

وإذا كانت دوافع النفخ والتضخيم مُذخرة بمزيد من العقوبات الظالمة والضغوط وحملات التشكيك، فإنّ ما ينبغي للعدو أن يَفهمه، أو أن نُفهمه إياه، هو أنّ الجدوى ستُلامس الصفر والعدم لجهة الوصول إلى ما حاول تَحقيقه، ذلك لأنّ من امتلك إرادة تمزيق المُخططات الكبرى وبَدائلها، السلسلة: "أ، ب، ج"، فلن يَعدمَ الوسيلة لإسقاط وتمزيق جديدها، بل ما زال شعبنا يَختزن من عوامل القوة ما يَكفي.

هنا لا بد لنا من أن ننتبه إلى مُستويات الأداء التي ينبغي أن نُنظفها، بما يُمكن تلخيصه بوجوب العناية بإدارة الموارد، والتّحلي بحُسن التقدير انطلاقاً من الاعتراف بأنّ تُهمة التقديرات الخاطئة التي تُنتج قرارات لا تتمتع بمُستويات عُليا من الصَّواب، تَستجيب وتُلبي الحاجة، ليست اتهامات كَيدية أو مُتسرعة دائماً، بل إنّ المَقولات التي تُصوب نحو سوء الإدارة والفساد لا تَنطلق من الفراغ، وهو ما يُوجب العمل بالتوازي على تَوخي الدقة والتّحلي بالشفافية والصراحة، سواء في إطلاق الوعود أم بالتوصيف للحالة، ذلك كي لا نَأكل من رَصيد مُقومات الثقة بالدولة، بل لنُعززها، فالناس تَفهم قِلة المواد والموارد، لكنّها لا تَتَفهم الإدارة الخاطئة لها.. الثقة قويّة، مُقوماتها صلبة، وسنُعززها.


طباعة