الإرهاب الاقتصادي الأميركي.. ورسائل الصمود السوري

لا حدود للإرهاب الأميركي، هو سمة ملازمة لكل الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض، ولا يمكن لواشنطن الاستغناء عنه خوفاً من انحسار أو تلاشي دورها عن الساحة العالمية، فهي أتقنت صناعته، واستنسخت منه أشكالاً وألواناً متعددة، ونجحت في استثماره بأكثر من مكان، وتوظفه لخدمة كل مشاريعها الاستعمارية، وما تشهده سورية اليوم مثال صارخ لذاك الإرهاب متعدد الأوجه، فلم يسبق في التاريخ لدولة أن استهدفت بهذا الحجم الكبير من العدوان المصحوب بحقد أسود دفين، عشرات الدول والحكومات والأنظمة والكيانات التابعة لإدارة الإرهاب الأميركي شاركت وساهمت بسفك دماء السوريين، وتهجيرهم وحصارهم، ولكنها منيت بالكثير من الهزائم العسكرية والسياسية والأخلاقية، واليوم تجرب أميركا ترامب آخر أساليبها القذرة المتمثلة بما يسمى "قانون قيصر" الذي يدخل حيز التنفيذ يوم غد، تستكمل من خلاله سلسلة طويلة من العقوبات المتدحرجة منذ عقود، إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي لجهة قساوتها، وشدة عدائيتها.

"قيصر" وما يتضمنه من أجندة إرهابية مبرمجة تستهدف في المقام الأول تجويع السوريين، والضغط على الدول الحليفة والصديقة لهم، يأتي في مرحلة شارفت فيها سورية على إنجاز نصرها الكامل على الإرهاب وداعميه، وفي وقت تسابق فيه إدارة ترامب وحكومة العدو الصهيوني الزمن لفرض "صفقة القرن المشؤومة"، وما يترتب عليها من تداعيات كارثية تغير خريطة المنطقة بأكملها، ودخولها حيز التنفيذ الفعلي بات مرهونا بإضعاف سورية، بعدما هيأت الأنظمة المستعربة الأرضية السياسية المناسبة لتلك الصفقة المشؤومة، التي تشرعن وجود الكيان الصهيوني الاحتلالي، وتجعله جزءاً من التركيبة الجغرافية والسياسية للمنطقة، وصاحب كلمة عليا للتحكم بقرارات ومصير شعوبها، وهذا هو المدعو "يوسي كوهين" رئيس ما يسمى جهاز الموساد يعلن أنه بصدد إجراء اتصالات ولقاءات قريبة جداً مع رؤساء ومتزعمي دول مستعربة لتسريع عملية ضم أجزاء من الضفة الغربية وغور الأردن في الأول من الشهر القادم، أي أنه حدد جدولاً زمنياً قريباً جداً للتنفيذ، في استغلال واستثمار واضحين للظروف التي تعيشها سورية بسبب الإرهاب الأميركي المتصاعد.

أميركا تجيش كل عملائها وأجرائها ومرتزقتها على الأرض ليكون مفعول وأثر "قيصر" كبير، يمكنها من انتزاع تنازلات سياسية تعبد أمامها الطريق لفرض أجنداتها الاستعمارية بأقل الخسائر، وصولاً إلى تحقيق الهدف القديم المسمى "مشروع الشرق الأوسط الكبير" الذي رسم معالمه وحدد أولوياته الإرهابي شمعون بيريز، وسعت إلى تنفيذه إدارة المجرم بوش الابن، وتتوهم إدارة ترامب أن الوقت حان اليوم للبدء بتطبيق مراحله، و"صفقة القرن" جزء منها، ولنا أن نتخيل مدى قدرة سورية والمحور المقاوم الذي تشكل أعلى هرمه في إجهاض تلك المشاريع والمخططات الصهيو أميركية رغم كل ما تتعرض له من حروب إرهابية وضغوط سياسية، والجميع يتملكه اليقين المؤكد بأن "قيصر"، وما يخلفه من أعباء إضافية على الشعب السوري الذي يواجه الغرب الاستعماري وأدواته الإرهابية، لن يكون له أي أثر في صمود السوريين، أو دفعهم لتقديم أي تنازلات تمس ثوابتهم وخياراتهم.

الولايات المتحدة وأتباعها الأوروبيون المنغمسون بسياسة التجويع والحصار، ما زالوا قابعين تحت هوسهم السياسي بمعاقبة من أذل مخططاتهم، وقهر إرهابهم، ودحر مرتزقتهم.. وعقوباتهم الجائرة بقدر ما تزيد من معاناة السوريين وآلامهم، فإنها تكشف بالقدر ذاته مدى الانحطاط الأخلاقي والإنساني الذي وصل إليه المسؤولون الغربيون، اللاهثون وراء إحياء عهد الغرب الاستعماري، لكنهم سرعان ما سيصطدمون بحقيقة أن سورية وحلفاءها سيفشلون كل محاولاتهم الخبيثة الرامية لإخضاع سورية، وقال السفير الروسي في دمشق والمبعوث الخاص للرئيس فلاديمير بوتين لدى سورية ألكسندر يفيموف بكل صراحة ووضوح: من المستحيل تحطيم سورية وروسيا بالإرهاب الاقتصادي، فهل تفهم أميركا والغرب الرسالة؟.

نبض الحدث -بقلم أمين التحرير ناصر منذر


طباعة