الارتدادات العكسية.. هل تصيب مشروع الهيمنة الأميركي ؟

تدفع الولايات المتحدة بقوة نحو فرض واقع سياسي وجغرافي جديد في المنطقة، وتستثمر في الانقسامات الدولية الحاصلة على أكثر من صعيد، لتعويم فوضاها الهدامة على العالم، ولكنها تغفل عما قد تسببه الارتدادات العكسية لمشروعها الفوضوي، والتي يرجح أن تؤسس لمرحلة جديدة تكون عاجزة فيها عن ضبط إيقاع الأحداث الدولية وفق مصالحها وأجنداتها المرسومة، الأمر الذي سيسرع من نهاية هيمنتها العالمية، ويعجل في ولادة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.
من بوابة التطبيع المجاني مع الكيان الصهيوني، تحاول إدارة الإرهاب الأميركية تحصيل المزيد من الأوراق الانتخابية لإطالة عمرها السياسي، كمنطلق لاستكمال سياساتها العدائية المرسومة للمنطقة والعالم، هي تتوهم أن جر المزيد من الأعراب إلى الحضن الصهيوني سيعطي "صفقة القرن" قوة دفع إضافية تجهز على ما تبقى من حقوق فلسطينية مشروعة، وتثبت الكيان الغاصب على الخارطة الجغرافية والسياسية للمنطقة، وتمنحه المشروعية المطلقة في التوسع والتمدد حيث ما ترسمه تعاليمه "التلمودية"، ولكنها تتغافل عن رد فعل الشعب الفلسطيني المعني الأول، والمحور المقاوم المستهدف بهذه المؤامرة القذرة، وفي مقدمته سورية التي يسعى الصهيوني والأميركي للاستفراد بها، حيث اعتداءاتهما المباشرة لم تتوقف، وهذه الإدارة تتجاهل أيضاً الإمكانيات والقدرات الكبيرة التي بات يمتلكها هذا المحور، والتي من شأنها قلب الطاولة على رؤوس المخططين والساعين لتنفيذ تلك الصفقة على أرض الواقع، فتسريع وتيرة التطبيع، لن يفضي إلى شرعنة الاحتلال، أو إضعاف محور المقاومة، وإنما يزيد الفلسطينيين تمسكاً بحقوقهم المشروعة في طرد هذا الاحتلال، ويضاعف من قوة ومناعة المحور المقاوم.
على الساحة الدولية تشعل الولايات المتحدة المزيد من النزاعات، لجر الدول الكبرى المناهضة لسياساتها التوسعية إلى صدامات عسكرية تعتقد أنها ستكون الرابح فيها، تتحرش بالصين في بحرها الجنوبي، وتستفز روسيا على أكثر من جبهة، وتستخدم حلفاءها الأوروبيين كفتيل لإشعال الحرائق " قضية تسمم نافالني المزعومة، وما يجري في بيلاروس" مثال، كذلك تفاقم من حالة الخلافات الدولية بما يخص المنظمات والهيئات الأممية التي تريدها منصة لتنفيذ أجنداتها الاستعمارية، ولكنها تتجاهل تداعيات الصراع الدائر بين حلفائها في " الناتو"، حيث ينذر النزاع الحاصل في منطقة المتوسط بحرب عسكرية يدفع نحوها النظام التركي، وتأخذ فرنسا دور المدافع عن حقوق اليونان وقبرص، فيما باقي الدول الأوروبية منقسمة بين المؤيد للتصعيد، وبين داعٍ للحوار، وبحال نفذ ترامب تهديده بانسحاب بلده من الحلف، فسيجد ماكرون فرصته الذهبية لتهيئة المناخ لتعويم مشروعه بتشكيل جيش أوروبي موحد، الأمر الذي قد يفضي إلى تشكيل تحالفات دولية جديدة، خارج دائرة التبعية الأميركية، وبطبيعة الحال لن يكون ذلك في مصلحة أميركا التي ستفقد حينها الكثير من عوامل ونقاط ارتكاز قوتها وهيمنتها.
إدارة ترامب تعمد لإشعال الحرائق العسكرية والسياسية والاقتصادية على مختلف الجبهات الدولية، نقلت العالم بسياستها المتغطرسة إلى مرحلة متقدمة من الفوضى والعنف، هي تريد من وراء ذلك إحكام السيطرة الأميركية على العالم، ولكنها لا تأخذ في الحسبان المتغيرات الدولية الحاصلة لجهة تنامي قدرات الدول الرافضة لنهجها الاستعماري، وتتجاهل في الوقت عينه خيارات الشعوب المقاومة لمشاريعها العدوانية والنهبوية، ولها أن تمعن في نتائج صمود سورية، وما يبنى عليه من تعزيز التحالفات الاستراتيجية بين الدول التي تتصدى للعنجهية الأميركية، حتى تدرك بأن رهاناتها وكل مخططاتها التخريبية ستسقط وتتهاوى تباعاً.

نبض الحدث- بقلم أمين التحرير ناصر منذر


طباعة