أميركا.. استراتيجية الفوضى لتكريس النزعة العدائية للعالم

النتائج غير النهائية للانتخابات الأميركية لم تحسم بعد المعركة السياسية الحاصلة بين "الجمهوريين والديمقراطيين"، والمؤشرات والمعطيات التي تعكسها تصريحات ترامب وغيره من المسؤولين الأميركيين من كلا الحزبين، تشير إلى أن الشهرين القادمين ينذران باحتمال حدوث توترات خطيرة، في الداخل الأميركي، أو في الخارج، على حد سواء، وكل ذلك مرهون بمدى انضباط ترامب الهائج والمضطرب، ومدى فلتان سياسة إدارته المتهورة، ويبدو من خلال التصرفات العدائية التي تنتهجها تلك الإدارة منذ إعلان وسائل الإعلام عن فور بايدن، أنها تسعى لتكريس حالة الانقسام الداخلية من جهة، ولفرض واقع أكثر تأزما في العلاقات الدولية من جهة ثانية، وبالتالي وضع خطوط عريضة لسياسة البيت الأبيض الخارجية، ممنوع على الرئيس "الديمقراطي" المنتخب تجاوزها، بحيث يبقى إرث السياسة "الترامبية" بكل صلفها وغرورها معمول بها حتى سنوات طويلة قادمة.

ترامب لم يزل يرفض تقبل الهزيمة، ويعرقل عملية تسليم السلطة، ويخوض معارك قانونية للطعن بنتيجة الانتخابات، رغم أنها خاسرة لافتقادها الأدلة والبراهين وفق العديد من الأجهزة الأميركية المعنية بهذا الشأن، ويجري في الوقت ذاته تغييرات مريبة في المؤسسة العسكرية "البنتاغون" توحي بإمكانية حدوث سيناريوهات خطيرة خلال الأيام القصيرة المتبقية من عمر إدارته، ومن غير المستبعد أن يكون كل ما يجري متفق عليه مسبقا بين الحزبين الحاكمين، حيث يحتاج بايدين لمخرج يبرر التفافه اللاحق على كل وعوده الانتخابية المتصلة بالانقلاب على سياسة ترامب التي أضرت كثيرا بسمعة أميركا، خاصة وأن الولايات المتحدة محكومة بنظرة فوقية عدائية تجاه العالم، سياسة الهيمنة والتسلط، والتفرد بالقرارات الدولية، هي من ثوابت النهج الأميركي، من غير المسموح لأي رئيس منتخب أن يقفز فوقها، وبحال أقدم ترامب على أي حماقات جديدة في الأيام القادمة، فلن يتوانى بايدين عن اتخاذها كشماعة للبناء عليها بحجة أنه سيحتاج وقتا طويلا لتداركها.

رغم أن بايدين لا يحتاج إلى أي ذريعة لمواصلة سياسة العدوان على سورية، لأنه كان من أحد عرابيها، إلا أن مسؤولو إدارة ترامب، ومنهم جيفري الكاذب نصحوه بعدم تغيير تلك السياسة تحسبا لصحوة ضمير مفاجئة تجعله يعيد مقاربات بلاده الخاطئة، وهذا يعني أن عليه عدم التفكير بسحب القوات الأميركية المحتلة، والاستمرار بدعم الإرهاب، وميليشيات "قسد" العميلة، وتشديد الحصار الجائر، واستنساخ المزيد من "قيصر"، ووضع عقبات إضافية أمام عودة اللاجئين، وتعطيل أي جهود ترمي الوصول إلى حل سياسي، وهم قاموا باتخاذ المزيد من إجراءاتهم العدائية تلك في الآونة الأخيرة، لتكريس واقع يصعب عليه تغييره في المدى المنظور، كذلك فإن وزير الخارجية مايك بومبيو ينوي القيام بعملية تسلل إلى الجولان السوري المحتل هذا الأسبوع، وزيارة أكثر من مستوطنة صهيونية في الضفة الغربية، في إشارة للإدارة الجديدة كي تتمسك بقرار ترامب الاعتراف بما يسمى " السيادة الإسرائيلية" على الجولان المحتل من جهة، وللتأكيد على ضرورة شرعنة الاستيطان في الضفة من جهة ثانية، وبالتالي هذه رسالة واضحة لعدم التراجع عن "صفقة القرن"، والمضي قدما في تصفية القضية الفلسطينية.

عقلية ترامب المضطربة قد تدفعه لارتكاب حماقة تجاه إيران، بناء على ما أجراه من تغييرات في "البنتاغون"، وهذا الاحتمال إن حصل من شأنه جعل إدارة بايدن تتملص من وعودها بشأن العودة إلى الاتفاق النووي، بحجة أن الوضع قد تغير، وكذلك الأمر بالنسبة للصين وروسيا، فتصعيد الاستفزازات الأميركية في الآونة الأخيرة تجاه هاتين الدولتين، وضع تلالا إضافية من العقبات أمام تصحيح مسار العلاقات معهما، وهذا يعطي بايدين ذريعة للمناورة، وإبقائهما ضمن قائمة تصنيف إدارة ترامب لهما بأنهما أكبر خطرين يهددان الأمن القومي الأميركي، ويجب التعامل معهما على هذا الأساس، حتى دول الاتحاد الأوروبي التي لم تسلم من حرب ترامب التجارية، ربما لن تكون بمأمن في ظل إدارة بايدين، رغم كل وعوده لحلفاء بلاده التقليديين، فهو قد يستغل مسألة رضوخها الأعمى لإظهار نفسه بأنه أكثر قدرة من ترامب على ترويض الحلفاء، فهو بالنهاية رئيس لأميركا المتغطرسة.

نبض الحدث- بقلم أمين التحرير- ناصر منذر


طباعة