الأيام العشرة الأخيرة.. لن تبرئ نظام الإرهاب الأميركي من جرائم ترامب

نبض الحدث -ناصر منذر:

مشهود للولايات المتحدة براعتها في حياكة الألاعيب السياسية، كما هي براعتها في نسج المؤامرات الدولية، وصناعة الحروب، وقدرتها على تسويق الأكاذيب لخداع الشعوب، والكثير ينساق وراء زيف إعلامها المضلل، الذي يعمل لتلميع صورتها القبيحة إلى جانب استهداف الدول المناهضة لسياساتها العدوانية، وما يدعم هذه الحقيقة هو ما يجري اليوم في الداخل الأميركي من حراك واسع لعزل ترامب قبل نحو عشرة أيام من رحيله، على خلفية اقتحام أنصاره مبنى الكونغرس، وأقل وصف قيل فيه من قبل معظم المسؤولين الأميركيين الداعين لعزله بأنه مختل عقليا، فماذا يعني ذلك؟، ألا يعني أن صناع القرار الأميركي يريدون النأي بأنفسهم عن كل الجرائم بحق الإنسانية التي اقترفتها الولايات المتحدة بعهد ترامب، وتحميله وحده مسؤولية هذا القدر من الانحطاط السياسي والأخلاقي الذي وصلت إلية السياسة الأميركية، وبالتالي إيهام شعوب العالم بأن هذه السياسة هي أقل سوءاً مما انتهجه شخص مريض نفسياً اسمه ترامب؟.

لاحظوا أن أكثر من مئتي مشرع بالكونغرس بصدد مساءلة ترامب بعد غد الاثنين بتهمة سوء الإدارة وارتكاب جريمة التمرد تمهيداً لعزله، والرئيس المنتخب جو بايدن قال بأنه غير مؤهل للخدمة ويجب عدم المماطلة بأمر العزل، فيما ذهبت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي إلى أبعد من ذلك وقالت بأنه يجب فعل كل ما في وسعهم لحماية الشعب الأميركي من خطر ترامب، وهجومه على بلدهم أميركا -وكأنه من كوكب آخر وليس أميركيا- والأدهى أنها حذرت من مغبَّة إقدامه على شن ضربات نووية نظراً لاختلاله العقلي، ولكنها سرعان ما طمأنت الأميركيين بأن لدى البنتاغون إجراءات أمان، ألا يوحي كل هذا بأنه مسرحية محبوكة جيداً لتبرئة نظام الإرهاب الأميركي من أفعال ترامب؟ وتقديم صورة أخرى مزيفة للديمقراطية الأميركية المزعومة؟، ألم تحدث مثل هذه المسرحية قبل نحو عام، لكن ترامب بقي في منصبه وعزز سياسة البلطجة الأميركية أكثر من ذي قبل؟، فما المعنى إذاً من عزله قبل عشرة أيام من مغادرته السلطة سوى لإيجاد مخرج لتلميع صورة أميركا الحالكة بالسواد؟، والأدهى من كل ذلك أن ترامب أعلن بأنه لن يحضر حفل تنصيب بايدن، وهذا يشير إلى أنه قد يقدم استقالته قبل يوم أو يومين من انتهاء صلاحيته كرئيس، ويسلم السلطة لنائبه مايك بنس، ليقوم الأخير بإصدار عفو عام عن ترامب، وهذا جائز في القانون الأميركي، وبحال حصل هذا السيناريو، وهو الأكثر ترجيحاً، فيصبح كأن شيئاً لم يحدث، بمعنى أن النظام الأميركي يكون قد تنصل من جرائم إدارة ترامب بحق شعوب الكثير من العالم، والأخير يفلت من المحاسبة والعقاب، وبذلك تنتهي هذه المسرحية الهزلية.

ترامب لم يترك موبقة سياسية وأخلاقية إلا وارتكبها، ولم يترك وسيلة إجرامية لقهر الشعوب إلا وجربها، تمادى بدعم الإرهاب، أمعن كثيراً بسياسة الحصار وفرض العقوبات الجائرة، أشعل الكثير من الأزمات والحروب، انتهك معظم الاتفاقيات الدولية وهدد بتقويض أمن واستقرار العالم بأسره، ولكنه لم يكن وحده، فثمة ساسة ومشرعون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري خلفه، وهو في النهاية رئيس نظام متغطرس معين من قبل الحكومة العميقة، هي من تصنع كل السياسات الأميركية، وينفذها الرؤساء المعينون من قبلها، فالديمقراطية الأميركية كذبة كبيرة، وعمليات التصويت الانتخابي مجرد واجهة إعلامية لتجميل صورة الديمقراطية والحرية التي تتغنى بها الولايات المتحدة، لإبهار العالم فقط، وما ارتكبه ترامب من جرائم بحق الإنسانية تحت ذريعة نشر الديمقراطية والحرية، سبقه إليها كل أسلافه من الرؤساء الأميركيين، وكل ما فعله هو أنه جسد صورة الوحشية الأميركية بأبشع صورها، ربما يكون قد خرج عن السيطرة كحال أي متزعم إرهابي يفلت من عقال مشغليه، ولكنه في النهاية أدى مهامه الوظيفية وفقاً لما رسمته له الحكومة العميقة، وخلفه بايدن لن يكون أقل سوءاً منه بطبيعة الحال، قد يختلف عنه في أسلوب التكتيك والتنفيذ فقط.. فهذه هي أميركا.


طباعة