أميركا تشغل العالم بأزمتها.. وتعيد إنتاج "داعش" لإنقاذ هيبتها


العالم ينشغل اليوم بما يجري داخل الولايات المتحدة، يتحسب لما قد يقدم عليه الرئيس المهزوم دونالد ترامب في الأيام القليلة القادمة، ويراقب فصول مسرحية عزله، ولكن إدارة بايدن ترتب سياساتها الخارجية للمرحلة القادمة، بعيداً عن ضجيج ترامب، وترامب نفسه يهيئ لها الأرضية المناسبة لاستكمال النهج المتغطرس ذاته الذي كان هو قد ورثه عن سلفه أوباما، وبحجة أن الرئيس المنتخب سيكون مجبراً على إيلاء السياسة الداخلية أولى اهتماماته لردم هوة الانقسامات داخل المجتمع الأميركي، بحسب العديد من أعضاء الكونغرس والخبراء السياسيين، فإن السياسة الخارجية ستبقى على حالها، أو ربما يطرأ عليها بعض التعديلات البسيطة بما لا يؤثر على توجهات الإستراتيجية الأميركية تجاه العالم على وجه العموم، وتجاه منطقتنا على وجه الخصوص.
دعم الإرهاب، يشكل جوهر السياسة الأميركية، ولإضعاف جيوش المنطقة، وفي مقدمتها دول محور المقاومة، و"داعش" هو أخطر الأدوات التي تحركها الولايات المتحدة، وهي تعيده اليوم إلى واجهة الأحداث مجدداً، وتحاول صرف الانتباه عن ذلك بمعاركها السياسية الداخلية، حتى أن شركائها من الدول الغربية ضمن "التحالف" المزعوم لمكافحة الإرهاب باتوا يرددون نغمتها، لإيجاد ذريعة تبقي قواتها المحتلة في المنطقة، وإبداء وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي قلقها من عودة ظهور" داعش" في العراق وسورية، لا شك سيتبعه الكثير من التصريحات المماثلة من قبل دول أوروبية أخرى تستغل جرائم هذا التنظيم الإرهابي، لتحقيق مصالحها وأطماعها الاستعمارية في المنطقة.
عندما تبدأ الولايات المتحدة وأتباعها الغربيون النفخ مجدداً في رماد "داعش"، فهذا مؤشر قوي يدل على نية إدارة الجديدة إعادة هيكلة هذا التنظيم الإرهابي خلال المرحلة المقبلة وفق خطط معدلة، وهذا يتضح من خلال الخطوات المتسارعة التي تتخذها إدارة ترامب في أيامها الأخيرة من عمرها السياسي باتجاه إعادة تعويم هذا التنظيم، تمهيداً لتسليم قيادته للرئيس المنتخب مجدداً، ولاسيما أن بايدن كان أحد المشرفين على إدارته عندما كان نائباً للرئيس الأسبق أوباما، ولاحظا خلال الأيام القليلة الماضية عمليات نقل إرهابيي هذا التنظيم وعدد من متزعميه، من عدة سجون في الحسكة إلى قاعدة الاحتلال الأميركي في التنف، واختيار هذه المنطقة كقاعدة انطلاق لعملياتهم الإرهابية، فهو لتثبيت تموضعهم على طول الحدود السورية العراقية لقطع التواصل بين البلدين، ولضمان استمرار تأمين الحماية الأميركية اللازمة لتحركات أولئك الإرهابيين، لتنفيذ اعتداءاتهم على مواقع الجيشين السوري والعراقي على جانبي الحدود لاستنزاف قدراتهما، خاصة وأن عملية إعادة إحياء " داعش" وتوسيع مروحة جرائمه لا تخرج عن سياق محاولات عرقلة عمليات الجيش العربي السوري لتطهير البادية من فلول التنظيم المتطرف، ويمكن وضعها أيضا في إطار الرد الأميركي الانتقامي على المطالبات العراقية المتصاعدة بخروج قوات الاحتلال الأميركي من العراق.
الولايات المتحدة ليست بصدد التخلي عن أداتها الداعشية حفاظاً على هيبتها المتآكلة، وهو أمر يتفق عليه الحزبان الجمهوري والديمقراطي، وكل دول محور المقاومة مستهدفة بهذه الأداة الإرهابية التي تستخدمها واشنطن لتنفيذ مشروعها الهادف لرسم خرائط جديدة للمنطقة بما يؤمن الحماية الكاملة للكيان الصهيوني، وإعادة تدوير "داعش" يعطيها الذريعة لاستمرار وجودها الاحتلالي في سورية والعراق، حيث قطع طريق (طهران - بغداد - دمشق)، ومنع إيران من الوصول إلى المتوسط، أحد أبرز الأهداف الأميركية والصهيونية لقطع أوصال المحور المقاوم، الذي لا يزال يشكل العائق الأكبر أمام تنفيذ المشروع الصهيو-أميركي التقسيمي المعد للمنطقة بأسرها، وهذا الهدف سبق وأن سعت إليه إدارة أوباما، وعملت إدارة ترامب على تحقيقه، وهي تضعه اليوم على رأس أجندات بايدن وفق خطط مدروسة، ومتفق عليها من قبل صانعي السياسة الأميركية، ولكن ليس بالضرورة أن تتمكن الإدارة الجديدة من تحقيق ما عجزت عنه سابقتيها، فإخضاع سورية ومعها المحور المقاوم أمر محال.

نبض الحدث- ناصر منذر

 


طباعة