الانسحاب الأميركي المتباطئ من سورية .. وإعادة خلط الأوراق من جديد

مع تباطؤ واشنطن بسحب قواتها من منطقة شرق الفرات تنفيذاً لقرار ترامب وقيام الأخير بتمديد مهلة الانسحاب من شهر إلى أربعة أشهر، والطموح الفرنسي للبقاء فيها بذريعة حماية الأكراد والاستمرار في محاربة تنظيم داعش الإرهابي، ومع التوجس الإسرائيلي من هذا الانسحاب بذريعة أنه يترك الساحة لإيران، وطموح نظام أردوغان لملء ما يسمى الفراغ الأميركي والحاجة للتخلص من الخصوم الأكراد.. ثمة العديد من التساؤلات التي تبحث عن أجوبة لها وخاصة ما يتعلق منها بمصير هذه المنطقة الحيوية من سورية التي يجب أن تعود إلى السيادة السورية لقطع الطريق على أي طموحات خارجية.
لا شك أن المشهد العام في منطقة شرقي الفرات لايزال ضبابياً ومعقداً وبعيداً عن الانفراج، إذ ما زالت الضغوط تمارس على ترامب داخلياً وخارجياً من أجل التراجع عن قرار الانسحاب، وهناك رغبة فرنسية للاضطلاع بدور أو وظيفة جديدة في سورية تبقيها في المعادلة الاقليمية والدولية من زاوية مكافحة الارهاب، في حين أن النظام التركي يشكل أكبر العقد المطروحة والمقبلة مع طموحه في التوغل في هذه المنطقة على شاكلة توغله في عفرين وبعض مناطق ريف حلب الشمالي بذريعة حماية أمنه القومي من الخطر الكردي، إلى جانب احتمال آخر لايزال قائماً وهو استعادة تنظيم داعش لنشاطه الإرهابي في هذه المنطقة، وهو يملك العديد من الجيوب الخطرة على الحدود مع العراق يمكنه استخدامها للعودة بقوة إذا ما استمرت حالة الضبابية وتصادم الأجندات.
يتمسك الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون بذريعة محاربة الارهاب من أجل الاستمرار بالتدخل غير الشرعي في سورية من ضمن تحالف دولي يزعم القيام بهذه الوظيفة، وقد أضاف ماكرون لأجندة بلاده الاستعمارية ذريعة جديدة وهي (حماية) الأكراد في سورية، ولم يوضح ما إذا كان سيقوم بحمايتهم من نظام أردوغان الذي يعد العدة لمهاجمتهم، غير أن التجارب مع الفرنسيين تؤكد أن الموضوع لا يتعدى دق إسفين جديد بين الكرد وبين الدولة السورية بعد أن أظهروا نيتهم في الانخراط مجدداً بمشروع الدولة والتخلي عن حلم الانفصال، عبر تقديم وعود لهم بالحماية شبيهة بتلك التي قدمها الأميركيون، وهو بذلك يريد أن يملأ الفراغ الأميركي المزعوم دون أن يشرح كيف سيتصرف مع الأتراك إذا نفذوا تهديداتهم..؟!
في المقابل لا يبدو النظام التركي كثير التوجس من رغبة ماكرون في إبقاء قواته وهي بحدود 1200 جندي في شرق الفرات، ولعله سمع من الأخير ما يطمئنه إلى مثل أن هذا الوجود المغلف بكذبة محاربة داعش لا يشكل أي خطر على الطموحات التركية، بدليل أن ماكرون طلب الإذن من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي ينسق مع أردوغان العديد من القضايا المتعلقة بسورية عبر أستانا وسوتشي، وذلك لتأمين الغطاء للوجود الفرنسي غير الشرعي، وغاب عن باله أن موسكو لن تؤمن له هذا الغطاء دون التشاور مع الحكومة السورية صاحبة الأرض والسيادة التي ترفض رفضاً قاطعاً أي وجود أجنبي غير شرعي على أراضيها.
في الأثناء بدا أن الضغوط التي مورست على ترامب داخلياً وخارجياً بخصوص قرار الانسحاب من سورية قد أتت أوكلها لجهة تأخير الموعد النهائي لإتمام الانسحاب وتوسيع الجدول الزمني من نحو شهرين إلى أربعة أشهر، إذ كشفت مصادر أميركية أن مبرر التباطؤ في الانسحاب هو استحالة إتمام المهمة خلال ستين يوماً، كما أضيف إلى هذا المبرر بدعة جديدة وهي الحاجة للتأكد من أن تنظيم داعش قد هزم تماماً وبات عاجزاً عن القيام بأي تهديد حقيقي، وقد دعم ترامب هذا التوجه عبر تهديده بالاستمرار في استهداف سورية من القواعد الأميركية في العراق وهي القواعد المرجحة لانتشار القوات الأميركية المنسحبة.
إلى ذلك كان ثمة (حاجة) أميركية لطمأنة الحليف الإسرائيلي الذي اعتبر على نطاق واسع أكبر الخاسرين من القرار الأميركي بالانسحاب من سورية، وهذا ما دفع وزير الخارجية مايك بومبيو للإسراع في طمأنة نتنياهو (المرعوب) مما يسمى الوجود الإيراني في سورية، يقول بومبيو (إن الولايات المتحدة ستواصل التعاون مع إسرائيل بشأن سورية ومواجهة إيران في الشرق الأوسط، على الرغم من خطط سحب القوات من سورية .
وكان بومبيو قال في أول تعليق له حول الموضوع أن الانسحاب لا يغير بأي حال أي شيء تفعله هذه الإدارة إلى جانب إسرائيل، مؤكداً إن ما سماها الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية ستتواصل، وكذلك جهود مواجهة إيران في سورية، مجدداً التزام بلاده بحماية إسرائيل بنفس الطريقة التي كانت عليها قبل اتخاذ هذا القرار.
في حين أظهر نتنياهو رضاه عن تصريحات بومبيو بالقول (إن إسرائيل تقدّر بشدة الدعم القوي والواضح الذي قدَّمه بومبيو لما سماها جهود إسرائيل في الدفاع عن النفس في مواجهة سورية على مدى الأيام القليلة الماضية).
وفي مطلق الأحوال ومهما كانت ردود الفعل الإقليمية والدولية حيال قرار الانسحاب الأميركي من سورية وطموح كل طرف من هذا الانسحاب أو ما قد ينتج عنه تداعيات، فإن عودة منطقة شرقي الفرات إلى سيادة الدولة السورية كما كل المناطق الأخرى بما فيها المناطق التي توغل فيها نظام أردوغان هو الأمر الطبيعي والمنطقي الوحيد الذي يجب أن يحدث في الفترة القادمة لسد (فراغ) الأميركيين، لأن أي سيناريو آخر سيزيد المشهد تعقيداً وتفجراً وسيعيد الأمور إلى المربع الأول، فتنظيم داعش قد يجد فرصته السانحة من أجل العودة إلى أنشطته الارهابية المعتادة، في حين سترتمي ميليشيات قسد مجدداً في حضن الفرنسيين بعد أن تخلى عنها الأميركيون تحت ذريعة الخوف من الهجوم التركي المحتمل الذي وجد فرصته بالانسحاب الأميركي المتفق أميركياً وتركياً، حيث يرجح مسؤولون في الإدارة الأميركية أن ترامب خضع لأردوغان في هذه المسألة وأعطاه تفويضاً بتصفية خصومه الأكراد لأنه آخر من يريد محاربة داعش.


عبد الحليم سعود

التاريخ: الأحد 6-1-2019
الرقم: 16877