المحيــــــط الإقليمــــــــي... وانتصــــــار العوامـــــــل الداخليـــــــة

صيغت مؤامرة الربيع العربي بعناية سياسية، وجيواستراتيجية ليست بالعادية، فمن ناحية تمّ إظهارها على أنها حراك شعبي داخلي ولكن المُخطّط الاستعماري لم يتمكّن من مَسك أعصابه ففضح دوره فيها حين باشر بإدارتها من الخارج، وهنا لم تعد شعباً يتحرّك بمقدار ما أصبحت فئات يتم تحريكها بالكونترول الإقليمي، والدولي. ولم يبق هذا الحال عند المعادلة الشعبية الداخلية بل تعدّاه إلى سحب المعارضات ذات المشاريع المستوردة إلى منصات خارجية والشروع بتصادم المرجعيات بينها، ومعها بالآن نفسه، وكم تابعنا الخلافات على التمثيل، وأي المرجعيات تنسب لنفسها أنها الممثل الحقيقي لحراك الشعب في الداخل لنصل بعد زمن من انتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه إلى أن الشعب لا يقبل المعارضات التي تحاول ترتيب مشروعه الوطني بأصابع استعمارية، إذ كيف مَنْ يحنُّ إلى مستعمراته يمكن أن يفكر لها بالحرية، والديمقراطية؟ ولا سيما حين صار البعض من هذه المعارضات يزور كيان العدوان الإسرائيلي، ويحضر مؤتمر هيرتسليا السنوي ويبدأ بالتطبيع مع العدو والجولان ما زال تحت الاحتلال. وكذلك المحيط الإقليمي لسورية الذي فتح حدوده للإرهابيين لكي يدخلوا ويدمّروا الدولة السورية الشرعية، ويفجّروا مجتمعها العروبي.
وبناء عليه فقد تداخلت خيوط اللعبة، وتصادمت أحلام الفرقاء المعنيين، وأدخلت الأزمة السورية إلى أكثر من ساحة للصراع، والاصطراع عليها، وتكثف دخول الإرهابيين حتى بدا المستقبل معتماً، وبوابات الخروج من المحنة مغلقة. ومع توالي انتصارات الجيش، واحتشاد الشعب حوله بوطنية كاملة، وقدرة الدولة على إدارة الحياة الداخلية بما يطمئن المواطن على ثبات وجوده، وتأكيد مشروعية سيادته الجغرافية، والتاريخ صار التحول في الوعي الداخلي يكسب الحياة السياسية مفاهيمها اللازمة، وطفق الذهن الشعبي يرفض التفسير الخارجي للأزمة، ويدرك حرب المصطلحات المدارة علينا حتى تطغى مفاهيم التضليل على مفاهيم الحقيقة الواقعية المعيشة وطنياً، وأخلاقياً.
فالنصر الأول الذي دعم النصر كان انتصار الوعي على التضليل، وانتصار المعرفة على التجهيل، وانتصار التمسك بالتقدم على العودة إلى ظلامية التخلّف والتكفير. ومن انخراط الشعب في معركته الوطنية ضد قطعان الإرهاب الدولي التي أدخلها إلى بلادنا الطرف الاستعماري القديم ولم يُرسم لها من أهداف سوى ما تخدم به إسرائيل فقط. ولقد شقّ الحال على المعارضات بمنصاتها المختلفة حين لم تعد الأفكار التي ادّعتها، وخرجت من سورية على أساسها صالحة فالشعب قلب المعادلة الخارجية، وأسقط الأدوار الإقليمية التي تم توكيلها عليها، ورأينا كيف كان سلوك المعارضات في كافة المؤتمرات التي انعقدت من جنيف إلى أستنة فسوتشي.
ومن أخطر ما واجهه شعبنا كان تدخّل الأصيل حين فشل الوكيل ورغم العدوانات المتكررة من أميركا وحلفائها في أوروبا وإسرائيل لم تهتز قوة الصمود والمواجهة عند سورية دولة وجيشاً وشعباً، وعلى العكس أصبح شعبنا يراقب العدوان ويرى بأم عينه تدمير الصواريخ المعادية، كما يرى سقوط جبهة التآمر على بلدنا بعد فشل كل عدوان. ومع تبدل المعادلات على ضوء النصر الداخلي المتوالي يطوق جيشنا الباسل وحلفاؤه المناطق التي تتواجد فيها المجموعات المسلحة، ويتعامل مع مدخلات أستنة ، وسوتشي ويدير المعركتين: السياسية الدبلوماسية، والميدانية إلى جانب دولته الشرعية إدارة راشدة شرعت تسقط على أثرها الأدوار التابعة.
وتبرز الأدوار الوطنية التي لا حلّ لمشكلة أي طرف سوري، أو مكوّن إلا بها. وعلى هذا الأساس شهدنا خروج شعبنا في المحافظات الشرقية ليعلن عن رفضه للوجود الإرهابي المدعوم من الاحتلال الأمريكي ببعض المناطق السورية.
ورفضه لمحاولات تقسيم بلده، ورفضه للارتهان لقوى استعمارية من وَهْمٍ بأنه سوف يحصل بهذا الارتهان على حقوق أكثر مما تعطيه دولته الوطنية. نعم، لقد شرع شعبنا بحراكه الداخلي يُسقط مخططات الخارج، وادّعاءات التوابع الإقليمية، كما يحصّن التكاتف الوطني الداعم للميدان العسكري حتى صار الطريق إلى منبج مفتوحاً، وصار المشروع الأميركي بدعم قوى انفصالية من أجل توفير بيئة تقسيمية في سورية مهزوماً.
وجرّاء ذلك أعلن ترامب عن نيّته في سحب قواته من على الأرض السورية متخلياً عن مشروعه في دعم الانفصاليين، ومفسحاً المجال للأطماع الأردوغانية دون أية مراعاة لأية أخلاقية في التعامل، أو مبدئية. ومع ذلك ما زالت الدولة السورية تدعو مواطنيها إلى التمسك بالوطنية التي لا تقبل التدخل الخارجي، ولا التفريط بالسيادة، وترى أن الحل سوري-سوري شريطة أن يستبعد الكونترول الخارجي. وما نراه اليوم من حشود تركية على حدودنا الشمالية، ومن نوايا أردوغانية لتغيير هوية المكان المتاخم للحدود معها ولو بالهجوم على المواطنين السوريين، وكيف أن الغرب الصهيوني قد انقسم في التعامل مع الأطماع الأردوغانية بين أن يترك لأردوغان المجال بأن يفعل ما يشاء، أو أن تبقى مظاهر المساندة للكرد الانفصاليين على ضوء الموقف الفرنسي. والمعروف أنه حين تنسحب أميركا لن يبقى لفرنسا القدرة الكافية في تحمل تبعات ما يحصل، ولا تكلفاته.
ومع تبدل المساحات، وإعادة النظر بتوزيع القوى في الشأن السوري، وبروز معادلات داخلية تضاف لمصلحة الدولة، وانهيار الخط العدائي لسورية لدى الدول العربية، وشعور النظام الرسمي بأن بقاء سورية خارج منظومات العمل العربي غير مجدٍ. والزيارات التي تحققت للرؤساء، أو لمبعوثين عرب تؤكد أن شبكة التآمر على سورية تشهد التفكيك اليومي وأن الإدارة الخارجية للمسألة السورية لم تعد ممكنة، ويوماً بعد يوم يشتد حلف المقاومة، وتتعاظم جبهته في مقابل تراجع حلف العدوان، وسقوط صورة التآمر على دولة ذات سيادة، ومن الملاحظ أن المخطط الصهيوأميركي يحاول عبر حوادث السودان أن يمنح صيغة الربيع لبعض الوقت، والفرص لعل وقائع على الأرض يعاد تشكيلها وخاصة أن ترامب قد تراجع عن تحديد زمن خروج قوّاته لكنها ستخرج في زمن ما على حدّ قوله.
ونفهم من اضطراب المواقف الأمروأوروبية أن المساحات التي حضّروها لوجودهم العدواني على بلدنا قد تقلّصت، وصارت ظروف الخروج أكبر من عوامل البقاء. كما أن تحويل بلدنا إلى ساحة صراع، واصطراع قد انتهى فالدولة والشعب والجيش والحلفاء قد أنهوا أحلام تحويل سورية إلى ساحة صراع طويل الأجل. وأخيراً إن دول العالم التي تمّ تنضيد مواقفها باتجاه معاداة سورية شرعت تتحول عن هذه المواقف لتعيد الصلة بالدولة الشرعية. وكذلك العرب الذين بدؤوا بفتح سفاراتهم، والحديث عن عودة سورية إلى الجامعة قد سقط بذهنهم المشروع الغربي برمّته الذي لم يُسفر سوى عن خدمة إسرائيل في توفير ظروف إقامة الدولة اليهودية الخالصة، وصفقة القرن والتطبيع مع الأعراب.
وما سقط واقعياً هو أن المحيط الإقليمي لم يعد بإمكانه حمل مشاريع دولية وتنفيذها في سورية، وكذلك لم تعد في سورية قوى داخلية يمكن أن تشكل لها حضوراً إذا حملت مشاريع خارجية. وما هو ممكن فقط هو التلاحم الوطني، والمعاضدة الشعبية حتى نتخلّص من أطماع العوامل الخارجية، ونعيد بناء بلدنا وإعمارها بمشاركة وطنية فيها كافة مقومات الديمقراطية الوطنية العادلة.

 

د: فايز عز الدين
التاريخ: الاثنين 7-1-2019
الرقم: 16878