المســـــافة الســـــوداء بـــــين السياســــــات والأخــــــلاق


تبدو متلازمة السياسة والأخلاق خياراً صعباً ومنهجاً نادراً في أحوال الأمم وهي تتصارع في هذه المرحلة أو تلك والقاعدة لدينا في أدبيات الأمة وخصائص الوطن مازالت تجذر هذه المتلازمة وتنطلق منها في التفاعلات السياسية والعسكرية.
ومن هنا إن القانون العام الذي انتظم أنماط سلوكنا الوطني في جحيم الصراع وعلى أطرافه وفي المستقرات النهائية فيه, هذه القاعدة صارت مقننة الآن ومصطلحاً استحق حضوره في مراكز الدراسات وفي بناء العلاقات مابين سورية والدول الأخرى، والقاعدة تقول إننا في سورية نقاتل بشرف ونحاور بشرف وكل مافينا واضح سواء في الأعماق أو في التداولات المسلكية عبر السياسات المميزة في هذا العالم, وهذه القيمة هي إرثنا التاريخي على قدر ماهي نزوعنا المستدام نحو السلام ونحو تضامن العالم وعبر البحث عن مسارب السعادة المشتركة في عالم الطغيان والمادة والخداع والتناقض مابين الباطن والظاهر.
ونحن نعلم ثقافياً وتاريخياً بأن كتاب (الأمير) لمؤلفه ميكيافللي تحول إلى بنية مؤسسة ومعيار لضبط كل أنواع الإيقاع والغدر بالآخرين لأن العلاقة منفصلة بل متناقضة الى حد العداوة مابين القيم الاخلاقية والسياسات المتبعة والمنطلقة في كل المجالات والأحوال. إننا في الوطن السوري لانملك سوى هذه الخاصية التي تجمع مابين السياسة والأخلاق ونرى أنها قد انتظمت بكل قراراتنا ومواقفنا وطريقة تصدينا للعدو والعدوان, وقد يعترض البعض بأن يقحم على هذه الفكرة موضوع أن السياسة هي مجرد مصالح بما يعنيه البعض من أن السياسة لابد أن تكون نقيض الخير وردع الشر في حين أن المصالح ذاتها لن تحمل العيب المزعوم مادامت تقوم على مشروعية الملكية وعلى مبدأ الانتفاع المتبادل وصولاً إلى الاحتكام لقاعدة الحوار والوسيلة الكفيلة بحل أي خلاف أو إشكال مالم تكن نية الاعتداء مبيتة ومالم تكن التربية الشاملة عند رواد سفك الدم هي التي تحكم وتتحكم في السلوك الهجين بطريقة أخذه مباشرة إلى تدمير منصات الحق واللجوء إلى حق القوة المادية الصماء كما عانت من ذلك سورية العربية منذ أعماق التاريخ ومنذ فجر القرن العشرين وحتى هذه اللحظة السوداء والقاتلة التي نعيش.
إذا لدينا منهجان نقيضان كلياً, الأول هو متلازمة الأخلاق والمواقف والثاني هو متلازمة القوة والعدوان ومازال الغرب ومن في حكم الغرب من أنظمة ومنظمات وتنظيمات يستقي كل عوامل سلوكه من هذا الانفصال القائم والدائم مابين السياسة والأخلاق وعلينا هنا أن نذكر بأن القيم الأخلاقية تضيف إلى الموقف بل تبعث فيه عوامل جوهرية هي التي تؤكد قوة الوطن والحقيقة الدائمة فيه عبر العطاء والتضحيات وتقديم الشهادة والشهداء، والقاعدة العلمية تؤكد بأنه كلما استقرت واستمرت تيارات القيم الأخلاقية كان ذلك أدعى بالضرورة وبالمعايشة لإنتاج موقف وطني متبلور ومتكامل الأبعاد يستحضر القوة من منابعها ويطلق هذه القوة في مجالات حرية الوطن ووحدة أرضه وسيادته على القرار في ذاته، وها هو الواقع أمامنا وبين أيدينا فالسياسات الغربية لاتزال حتى الآن محكومة بعوامل ثلاثة:
1- عامل الانتماء والتبني للقوة الصماء المادية والعسكرية والهائجة باستمرار منذ بدايات الثورة الصناعية الأولى واستقرارها حتى الآن على منتجات وتطبيقات الثورة الصناعية الثالثة التي تجهد لإحلال التكنولوجيا محل العقل والروح والمشاعر والأحاسيس البشرية وبهذا المعنى نرى أن كل شرور العالم المعاصر إنما تبدأ وتنتهي عند الغرب وفيه.
2- أما العامل الثاني فهو الذي ينتج سياقات واتجاهات من التربية القائمة على التفوق واحتقار الآخر وإرساء المناهج التربوية في خدمة ذلك ولاسيما من خلال أن تتشرب الأجيال المتوالية في الغرب فكرة وضرورة العداء للكيانات البشرية المسالمة، وهذا عامل مشترك بين الغرب والحركة الصهيونية، إذ البشر هم أغيار (أغومونيم) وإن لم تقتلهم قتلوك. لذا كان لابد من تسليط عوامل الإبادة على شعوب العالم لأن البشر هناك هم مجرد كميات بشرية ليس لها من مهمة أو دور سوى خدمة الحضارة الغربية بتقلباتها المزمنة وبشقيها الأوروبي والأميركي ، ثم إن هذه النظرة تستكمل في إطار الاعتبار الذي يؤكد أن الأرض عند شعوب الدنيا هي مجرد مستودعات أوجدتها الطبيعة بما فيها وماعليها للنهب الغربي بكل امبراطورياته التي تناوبت على قهر الكرة الأرضية وأقسى تطبيق بذلك هو مايتصل بأنماط العمل والتعامل الغربي الصهيوني الإرهابي مع العرب في أوطانهم وفي ثرواتهم وفي بشرهم.
3- والعامل الثالث يأخذ هذا المنحى التطبيقي في ممارسة سياسات التآمر والعدوان والبحث عن كل مايؤدي إلى إنتاج آلام وأزمات في حياة شعوب الأرض ولاسيما في الوطن العربي المنكوب بالعملاء والتطرف والجهل وعقليات التفرد التي لا تأخذ من الحياة سوى المتع الزائفة والمستهلكات الراعفة، وها هي لوحة الواقع في الصراع القائم على سورية تؤكد هذا المعنى، إن الغرب يعصف مع العرب، مع سورية بالذات بالقيم وحقائق التاريخ وموضوعية الأحداث لأن ذلك كله محذوف ومستبعد من مناهج الغرب التربوية والسياسية وفي هذه اللحظة يصدق التحليل بمجمله على السياسات الأميركية والأوروبية بما فيها وماينتج عنها.

 

د: أحمد الحاج علي
التاريخ: الاثنين 11-2-2019
الرقم: 16906