الجـولان والمشـروع الصهيـوأميركي لتدميـر الخرائــــط

 

لم يبقَ لعاقل أي ذريعة يدّعي فيها أن ما أظهره حلف العدوان الإرهابي على سورية من حرص على دعم الثورات في الجمهوريات العربية، والربيع هو من أجل حقوق الإنسان العربي حيث إنه قد يُدفن قبل مشروع الحرب الإرهابية، وتسقط عمالة الوكلاء دون تحقيق الهدف الذي رسمه برنارد ليفي تدخلت أميركا المتصهينة لتبدأ الحرب مع الأصلاء، وجَرّتْ معها إلى الأرض السورية الأطلسيين على قاعدة أن خطورة داعش تستدعي تحالفاً دولياً ضدها على أرض سورية، وحصل التحالف الستيني لكن لم تحصل الحرب الحقيقية على داعش طالما أن أميركا هي من أوجدت داعش، وهي من يستثمر فيها، ولو عبر سياسة تدوير الأدوار، وإعادة تنضيد الوظائف، ولقد رأينا كيف شرعت أميركا الوكيل الحصري لتنفيذ السياسات الصهيونية، ولا سيما في زمن ترامب الرديء بالاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لدولة الكيان الصهيوني قبل أن يصحو النظام الرسمي العربي من سباته، وقبل أن يبدأ الشارع العربي صحواته. ومن غريب الحال أنه في اللحظة التي يعلن فيها ترامب عن يهودية القدس والمناطق المقدسة، كان المسؤول الأميركي، ومعه مسؤولون من كيان العدوان الصهيوني يزورون الممالك والمشيخات، ويدعون الجميع إلى تشكيل ناتو عربي ضد إيران باعتبار أن العرب ليس لهم قضية مركزية هي الاحتلال الصهيوني في أرض فلسطين، والأراضي العربية في سورية، ولبنان، والأردن بل القضية المركزية هي منع إيران من مساندتهم لتحرير هذه الأرض.
نعم أخذ الإعلان عن الناتو العربي الذي ستكون إسرائيل من ضمنه ضرورة قصوى أكثر أهمية من مقدسات العرب والمسلمين، والمسيحيين في القدس، وبيت لحم وغيرها، ومن المعروف أن لعبة صفقة القرن أدارتها سياسة ترامب الخرقاء بالخبث الذي ينطلي على العملاء الأعراب لأميركا والصهيونية بأن حقوق الفلسطينيين محفوظة، وبأن المسألة فقط هي تخليص الجميع في الإقليم العربي من الخطر الإيراني. ولو عدنا إلى التاريخ لرأينا أن مئة ألف مستوطن صهيوني يدخلون أرض فلسطين عام 1947م، ولا يجتمع مؤتمر القمة العربية ليناقش خطورة الإعداد لاحتلال فلسطين، وترك الحال إلى عام 1952م حتى يكون كيان العدوان قد مكّن لنفسه من الأرض ومقاومته عليها.
وها نحن اليوم نشاهد العملاء الأعراب ينسفون العمل العربي المشترك إذا كان سيتوجه ضد الكيان الصهيوني كما فعل آباؤهم، وأجدادهم. وما أشبه اليوم بالأمس طالما أن حركة تحرير الأرض السورية من الإرهاب على يدي الجيش السوري البطل وحلفائه قد أصبحت من القوة، وأخذ المواقع ما يُشعر أميركا بأن الإرادة بتحرير إدلب، وشرق الفرات لن تسمح لأميركا وحلفائها بأن يوقفوا مسيرة التحرير إلى زمن طويل، وأن آليات أستانا، وسوتشي تتجه نحو فتح الطريق لإنهاء الوجود الإرهابي في المنطقتين الباقيتين للإرهاب الداعشي، والنصروي على الأرض السورية، ولا سيما الاجتماع الأخير لرؤساء أركان سورية، والعراق، وإيران، ومجيء وزير الدفاع الروسي إلى دمشق؛ نعم كل ذلك أشعر أميركا بأن الأمور تتدحرج لإنهاء الحرب على الإرهاب، وإنهاء ذريعة الاحتلال الأمروأطلسي لمناطق من الجغرافيا السورية، وباعتبار أن حرب الأصلاء الإرهابية ضد سورية، وبقية البلدان العربية أصبحت مكشوفة، وصارت تدخل -في عدّها التراجعي- زمنها الأخير جاءتنا عبر موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) حماقة ترامب قال فيها: «بعد 52 عاماً حان الوقت لتعترف الولايات المتحدة الأميركية اعترافاً كاملاً بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان التي تتميّز بأهمية استراتيجية، وأمنية حيوية بالنسبة لدولة إسرائيل، واستقرار المنطقة.(وبطبيعة الحال لم يكن غريباً هذا الإعلان عند الذين لهم عقولهم السياسية المخلصة لقضايا الوطن والشعب، فالحروب التي تُشن على سورية من الإرهاب، والحصار، والحرب الإلكترونية خدمة لإسرائيل من المكشوف أن تقع النتائج وفق المخطط الأمروصهيوني لها على الاعتراف بضم الجولان، وأميركا الصهيونية بهذا الأمر تريد إنهاء مفاعيل القرار 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم التاريخية، والقرار 479 الذي رفض-باسم الأمم المتحدة- قرار إسرائيل بضم الجولان منذ عام 1980م حين كان الأخوان المسلمون يزعزعون السلم الأهلي في سورية تمهيداً للفرصة الصهيونية بالقرار المشؤوم. وليس غريباً كذلك أن تكون ردّة الفعل الدولية على تغريدة ترامب، وتمهيد غراهام العضو الصهيوني في الكونغرس الأميركي أثناء زيارته لكيان العدوان مؤخراً، أكبر بكثير من ردّة الفعل العربي، حيث لم تجتمع الجامعة لتناقش خطورة هذا الاستهتار بالعالم العربي، والإسلامي، وبالقانون الدولي، وبمواثيق الأمم المتحدة، وقراراتها ذات الصلة، وكأنّ العلاقات الدولية، وكذلك الخرائط العالمية برمتها خاضعة اليوم لإرادة تفكيك متغطرسة تنتهجها أميركا حتى تعيد تشكيل الجغرافيا الإقليمية العربية، والدولية على هواها، ومصالحها، ومقاييس مطامعها من الاقتصاد الدولي، ووقف عجلة التنمية العالمية عند الحدود التي لا تضرُّ بسيادتها، وأوهام هيمنتها المرفوضة من قبل أمم الأرض كبراها، وصغراها.
ومن الواضح أن الرفض الأممي لتصريحات ترامب قد عزل أميركا إذ أن الاتحاد الأوروبي قد رفضها، كما رفضها الأوروبيون الخمسة الأعضاء في مجلس الأمن لما فيها من سابقة خطيرة في نسف القانون الدولي، ومواثيق الأمم المتحدة باسم القوة المتغطرسة، والسياسة الرعناء. وحين قيل: في كل محنة مِنّة، أي ربّ ضارة نافعة يحيلنا فهم هذه المقولة إلى إعادة النظر بتداعيات هذا الانعطاف الخطير في السياسة الأميركية على المصير الوطني لسورية، وكذلك القومي للأمة العربية.
ولم يعد الأمر في مساحة مستدركاتٍ محدودة بمقدار ما صار يحتاج إلى نظرٍ في المنظومة الوطنية السورية بكاملها بغاية خلق المزيد من التفاعل الوطني بين المستويات: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية حتى تدخل سورية المرحلة الملموسة في الرّد الداخلي الذي هو أساس في أي عمل على الصعيدين العربي والدولي. وكذلك الحال على الصعيد العربي في الأمن القومي للعرب إذ ستكون الخطوات القادمة أكثر خطورة فيما يعني فرض صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية، وفي مواكبة هذا الحال ستعمل السياسة الصهيوأميركية على زعزعة السلم الاجتماعي لدى الدول الوطنية العربية وما حصل في تصريحات بومبيو في لبنان ليس إلا إشعاراً للعرب أن المخطط ما زال قائماً بتوفير بيئة الاصطراع الداخلي في كل قطر عربي، وجعل الحرب الإرهابية التي تنتهي فيها الوحدة الجغرافية، والتاريخية لكل بلد عربي هي نهاية المطاف.
وإذا بقي الضمير العروبي غائباً عن التحولات الخطيرة لمثل هكذا سياسة صهيوأميركية فما الذي سيُبقي كل بلد عربي على جغرافيته؟ لقد رفض العرب وعد بلفور وما زالوا يرفضون لكن بدون سلوك عربي جامع، ورفضوا سايكس-بيكو بدون عقيدة جامعة، وأقاموا الجامعة لكن ليس لخدمة المشروع القومي العروبي في الأمة الدولة وآلية عمل القمة العربية لم تكن لتوحيد السياسة، وما سينتج عن مؤتمر تونس القادم لن يتخطّى ما ستسمح به أميركا من موقف يناصر سورية في حقّها التاريخي في الجولان، وحتى تصبح الكلمة العليا في كل بلد عربي للشارع العروبي سنتوقع دوام حالة السبات العربي المخطط له صهيوأميركياً.
بقلم د: فايز عز الدين

التاريخ: الأثنين 1-4-2019
رقم العدد : 16945


طباعة