لعنة الحرب على سورية تلاحق أردوغان في صناديق الاقتراع

 

هل بدأ العد التنازلي لسقوط رأس النظام الإخواني في تركيا رجب أردوغان.. سؤال يملك مشروعية طرحه بقوة هذه الأيام بعد السقوط المدوي لحزب العدالة التنمية الحاكم في تركيا بالانتخابات البلدية، حيث فجرت صناديق الاقتراع في كل من اسطنبول وأنقرة وأزمير وأنطاليا وهي المدن الأكبر في البلاد مفاجأة من العيار الثقيل في وجه أردوغان الطامح الحالم بإعادة زمن السلطنة والباب العالي استناداً إلى شعبيته الإخوانية التي لم تسعفه هذه المرة في تكريس نفسه سلطاناً تركياً مدى الحياة..!
خسارة أردوغان وحزبه في هذه المدن الكبيرة وهي خسارة لها دلالاتها التاريخية مع أردوغان ذاته إذ كان فوزه فيها عام 1994 مفتاحه للفوز بالانتخابات التشريعية والرئاسية فيما بعد ـ لها أسبابها بكل تأكيد، ومهما قيل عن السبب الاقتصادي الذي كان (حصانه) لتحقيق الكثير من المكاسب السياسية خلال ربع قرن، فهذا لا يقلل البتة من أهمية التأثيرات التي أفرزتها الحرب على سورية على شعبية أردوغان، حيث اضطلع نظامه الإخواني بدور سلبي للغاية في هذه الحرب انعكس في اتجاهات متعددة ليس أقلها الصراع مع الأكراد وأزمة المهجرين بالإضافة إلى ملف الارهاب، بحيث هيَّأ المسرح التركي لحدوث هذا الزلزال الداخلي الذي ستكون ـ بكل تأكيد ـ تداعيات وارتدادات خارجية، ليس واضحاً حتى الآن كيف سيتلقفها ويستثمرها سلباً أم إيجاباً وهو الذي أدمن خلال سنوات الحرب الرقص على مختلف الحبال السياسية، بحيث يجد من يتابع مواقفه وتصريحات المثيرة للجدل صعوبة بالغة في معرفة في أي مكان يصطف هذا الرجل وأي منطق يتحكم به ويقوده، فتارة تجده مع الأميركيين وتارة تجده مع الروس، وتارة مع الإيرانيين وتارة مع السعوديين، وتارة مع قضية فلسطين وتارة مع الاحتلال الإسرائيلي، وفي الوقت الذي يدعي فيه (محاربة) الإرهاب نجده يقدم أكبر أنواع الدعم والمساندة للإرهابيين في سورية حتى صار راعياً وضامنا لهم، وتارة يصرح أنه مع وحدة الأراضي السورية ويحترم سيادة الدولة، لكنه يفعل عكس ذلك وهو الذي يسعى لقضمها واحتلالها مذكراً العالم بإرث السلطنة العثمانية البائدة، مع ممارس أسوأ الانتهاكات بحق سيادة سورية وسيادة دول الإقليم.
ما من شك بأن أردوغان سيجد نفسه تحت تأثير هذه الصدمة الانتخابية التي لها مفاعيلها المتدحرجة ـ مطالباً بمراجعة سياساته داخلياً وخارجياً لوقف انهيار شعبيته والحيلولة دون الخروج من الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمتين بخفي حنين.
ونحن نتحدث عن تأثير الدور البالغ الذي لعبته الحرب في سورية في انهيار شعبية أردوغان وحزبه، لا نقلل من العامل الاقتصادي الذي كان سبباً مباشراً في هذا الانهيار، حيث شهدت العملة التركية انهياراً غير مسبوق خلال السنتين الماضية والحالية بفعل السياسات الاقتصادية والمالية البائسة التي انتهجها الحزب الحاكم وكذلك صهر أردوغان الذي يشغل حالياً منصب وزير المالية، ومهما قيل عن قسوة العقوبات الأميركية بحق تركيا إلا أن الخلل الرئيسي بحسب محللين كثر ـ هو في داخل تركيا حيث تراجع الوضع الاقتصاديّ بشكل حاد، وانخفض سعر صرف الليرة بشكل مضطرد، ما دفع الكثيرين لتوقّع حدوث ركود اقتصاديّ في البلاد أواخِر العام الحالي وأوائل العام المقبل، وزيادة في مُعدّلات التضخّم والبطالة، وهذه كلها عوامل لعِبت دورًا رئيسيًّا في انخفاض شعبيّة الحزب الحاكم، ولا ننسى تراجع الاستقرار الأمني والسياسيّ في البلاد نتيجة الأدوار السلبية التي لعبها نظام أردوغان في قضايا المنطقة وخاصة الحرب على سورية، ومعلوم أن الاستقرار الأمني والسياسية هو القاعدة الأساسية لأي نهوض أو استقرار اقتصادي.
لا شك بأن أمام أردوغان المخدر من وقع الصدمة اختبارات عديدة لمعرفة ما إذا يستخلص العبر والدروس وينظر إلى الأمام، وخاصة أنه وقع التزامات مع الرئيسين الروسي والإيراني بخصوص إنهاء ملف الارهاب في إدلب والمساهمة بتسهيل ظروف الحل السياسي في سورية، وعدم الذهاب بعيداً في الأوهام السلطوية أو المراهنة على الأميركي الذي يلعب بحلفائه كأحجار الشطرنج، وليس أمامه من حل للحد من خسائر تركيا على مستوى الإقليم سوى العودة إلى لغة العقل والمنطق والحوار، لأن منطق العدوان والتهديد والبلطجة والعدوان كثيراً ما يرتد إلى جحور أصحابه..!
عبد الحليم سعود

التاريخ: الأربعاء 3-4-2019
رقم العدد : 16947


طباعة