إمام أوغلو نجم صاعد في سماء السياسة التركية على حساب أردوغان


ليس ثمة أهمية تذكر لإلمامك باللغة التركية كي تعرف الكيفية التي استطاع بها أكرم إمام أوغلو المرشح للانتخابات المحلية في مدينة اسطنبول من التوصل لكسب ود المواطنين المشككين من أنصار حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب أردوغان.
وبغية الوقوف على واقع العملية الانتخابية، جابت الكاميرا أسواق اسطنبول والتقطت عدستها موقفا لرجل مسن من مؤيدي حزب العدالة والتنمية يعترض طريق إمام أوغلو، وليقول له: إن حزب العدالة والتنمية أنشأ السكك الحديدية بينما قام حزب الشعب الجمهوري المعارض بهدم المساجد، في إشارة منه لما جرى من انتهاكات ارتكبها العلمانيون الذين تسلموا الحكم في تركيا إبان القرن العشرين، فضحك إمام أوغلو قائلا: «عندما جرى ذلك، يا جدي، لم أكن قد أبصرت نور الحياة بعد» وضم الرجل إلى صدره، فرد عليه المسن قائلا: «عادة لا أصوت لحزب الشعب، لكنني سأمنحك صوتي في هذه المرة».
في صبيحة يوم الإثنين، أصابت الطبقة السياسية التركية برمتها بمن فيهم أنصار إمام أوغلو ذاته صدمة عندما خرج فائزا في السباق للتوصل إلى منصب عمدة اسطنبول. ذلك لأن فوزه (الذي لا يزال موضع نقاش ضمن الحزب الحاكم) شكل أبرز المكاسب العديدة للمعارضة المناهضة لسلطة أردوغان السياسية الممولة بقوة في الانتخابات المحلية على مستوى البلد.
وذكر يسكل تاسكن العضو في مجلس قيادة حزب الشعب الجمهوري: «على الرغم من ضعف تمويل الحملة فإنني أعتقد أن السبب الرئيس الذي جعلنا نفوز بالانتخاب يتمثل في تفهم الشعب لأهدافنا، ذلك لأنه في بعض الأحيان تكون الرسالة الموجهة أكثر تأثيرا من إنفاق الأموال على الحملات».
في هذه المرحلة أصبح حزب الشعب يسيطر على المجالس البلدية في أكبر ثلاث مدن تركية، كما أن الحزب اليساري المحسوب على الأكراد حقق أيضا مكاسب في شرقي تركيا، إضافة إلى ذلك نجح حزب الحركة القومية في إحراز تقدم على حزب العدالة والتنمية مستغلا الغضب الشعبي الناجم عن تردي الأوضاع الاقتصادية.
تعد هذه الانتخابات أول عملية انتخابية تجري في ظل الأزمة المالية التي اجتاحت تركيا العام الفائت، حيث شهدت البلاد تراجعا في صرف الليرة بلغ 30%، الأمر الذي انعكس تضخما نقديا طال أرباح ومدخرات الأتراك، وشكل الإخفاق الاقتصادي لأردوغان وانتقاد الكثيرين لمواقفه السياسية الأثر الأكبر في خسارة حزبه للانتخابات.
وقال المتخصص من معهد واتسن في جامعة براون سليم سازاك:»إن ما أسفرت عنه الانتخاب كان نتيجة الأخطاء التي ارتكبها أردوغان بدءا من حملته لانتقاء مرشحيه إلى تردي الوضع الاقتصادي إلى خطابه السياسي، ذلك لأن هذه الانتخابات تتمحور حول من سيقود دفة الحكم».
لن تشهد تركيا انتخابات محلية أو قومية حتى مرور أربع سنوات أخرى، وسيتذوق شعبها المرهق طعم الراحة بعد مضي أكثر من عقد على حملات دعائية فصلية مستمرة، وستنعم الشركات التجارية بالاستقرار والهدوء.
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي يوسف إيرم: «يجب على الأحزاب الحكومية والسياسية تسليط الأضواء على السياسة الخارجية، والسياسة الاقتصادية، والأمن بدلا من ترسيخ جل اهتمامها على الأمور السياسية فقط».
يحدو تاسكن الأمل في أن تكون الانتخابات رسالة إلى الحكومة لعلها تفلح في إقناع أردوغان بتغيير نهجه القائم على الاستمرار في تصعيد الخطاب السياسي والضغط على المعارضين، وقال: «في حال اتجه (أردوغان) إلى توظيف القوات الحكومية لممارسة القمع على الشعب، فلن يقف أهالي اسطنبول مكتوفي الأيدي، وفي الأحوال التي يستمر بها بممارسة الضغوط على الكتاب والمنشقين والصحفيين، فإن عضد المعارضة سيقوى بدرجة أكبر، لذلك من الضرورة بمكان أن يغير ما دأب على إتباعه»، وفي يوم الإثنين، طرأ تطور طفيف تمثل في تجاهل التلفزيون الحكومي والقنوات الموالية للحكومة، في معظمها، المؤتمرات واللقاءات الصحفية التي عقدها مرشحو المعارضة، وعمدوا إلى التركيز على ما صرح به قادة حزب العدالة والتنمية.
لم يتوقع أحد في تركيا فوز إمام أوغلو في مواجهته لحزب العدالة والتنمية عندما حقق الفوز على بن علي يلدرم الذي سبق له وأن شغل منصب رئاسة مجلس الوزراء ووزارة النقل والمتحدث باسم البرلمان التركي فضلا عن كونه مقربا من أردوغان إذ أظهرت استطلاعات الرأي انخفاضا في النقاط المئوية القليلة المؤيدة له قبل التصويت.
عبر إمام أوغلو عن رباطة جأشه في الحملة الانتخابية وبقي متماسكا دون أن يبدي توترا وانفعالا لجهة ما ادعاه حزب العدالة والتنمية من فوز لمرشحه في الانتخابات لأنه على ثقة تامة من فوزه الكاسح على خصمه. وقال تاسكن: «لم يسقط إمام أوغلو في الفخ، لأنه كان على قناعة تامة أنه كي يحقق الفوز لابد له من الحصول على أصوات من حزب العدالة والتنمية ومن الأكراد إضافة إلى أصوات من قوى معارضة الأخرى». وفي يوم الإثنين، لم يتوان أوغلو عن تغيير صفته على موقع توتير وكتب «رئيس بلدية مدينة اسطنبول» وعقد مؤتمرا صحفيا قال خلاله «حان وقت العمل».
يقول سازاك:»كنت أعتقد أن هذا المرشح المعتدل، لن يتمكن من الفوز، كيف فعلها، لا أعلم؟ لكن من الواضح أنه رجل مجد قاد حملته بشكل رائع».
بقلم: بورزو داراغاي- The Independent

 

ترجمة: ليندا سكوتي
الجمعة 5-4-2019
الرقم: 16949


طباعة