وسط قرع طبول الحرب.. هل تنجح الدبلوماسية بنزع فتيل الأزمة الأميركية الإيرانية؟!

 


مع دخول مهلة الستين يوماً أسبوعها الثالث - المهلة التي منحتها إيران للدول الأعضاء بالاتفاق النووي لتنفيذ تعهداتهم وتعديل سلوكهم حيال الاتفاقات المبرمة مع طهران - بدأت تطفو على السطح مؤشرات جديدة عن انقسامات جدية داخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول طريقة إدارة الملف النووي الإيراني بشكل خاص، وحول طريقة إدارة الأزمة بشكل عام، خاصة مع دولة بحجم إيران أثبتت حضورها على المسرح الإقليمي والدولي مدعومة بإمكانات اقتصادية وعسكرية وبشرية.
المؤشرات الجديدة ترافقت مع تصعيد أميركي جديد حيث نقلت وسائل إعلام أميركية نية الإدارة الأميركية إرسال تعزيزات كبيرة إلى المنطقة، ونقلت شبكة (سي إن إن) الأميركية عن مسؤولين أميركيين أن وزارة الدفاع بصدد (إعداد خطة عاجلة لإرسال آلاف الجنود الإضافيين إلى منطقة الشرق الأوسط)، وقالت المصادر الإعلامية إن واشنطن سوف ترسل عدداً من جنودها، ثم تقوم بتعزيز وجودها العسكري في المنطقة بعدد أكبر تحضيراً لأي ضربة عسكرية قد تقوم بها، وأضافت شبكة (سي إن إن) أن الخطة تشمل إرسال صواريخ باليستية، ومنظومات دفاعية، وصواريخ توماهوك على غواصات وسفن، إضافة إلى القدرات العسكرية الأرضية من أجل ضرب أهداف بعيدة المدى، ولم يتم تحديد هذه الأسلحة بعد، هذا ونقل عن مسؤولين أميركيين أن العدد الذي يدرس البنتاغون إرساله هو خمسة آلاف جندي.
موجة التصعيد الأميركي ترافقت مع ارتفاع وتيرة الأصوات المناوئة والرافضة للحرب مع إيران وهو الأمر الذي خلق انقسامات جديدة داخل مركز القرار الأميركي بين محور مؤيد للحرب ومحرض عليها، ويرأس هذا المحور جون بولتون بدعم صهيوني معلن وواضح، وبين محور يرفض الحرب مع إيران خاصة في هذه الظروف الكارثية التي تمر بها الولايات المتحدة بعد سلسلة الهزائم التي مني بها مشروعها في سورية والمنطقة والعالم ويرأس هذا المحور جزء كبير من الكونغرس وبعض من الإدارة الأميركية وعلى رأسها الرئيس ترامب الذي يدير السياسة بعقل التاجر الذي يسعى إلى الربح والابتزاز وتحقيق الأرباح أكثر من سعيه إلى الحروب التي يعرف جيداً أن تكاليفها عالية وكارثية على بلاده ولا سيما أن الأخير كان قد بدأ ولايته الرئاسية بالانسحاب من الحروب الخارجية وتخفيف أعباء الولايات المتحدة المالية والاقتصادية وعدم الدخول في حروب مباشرة إلا عن طريق الوكلاء والحلفاء والشركاء والمرتزقة، وفي هذا الصدد، دعا العضوان في مجلس النواب، الديمقراطية باربرا لي، والجمهوري توماس ماسي، مع أعضاء آخرين إلى إلغاء قانون التفويض باستخدام القوة العسكرية المقر في 2001 عقب هجمات 11 أيلول، الذي يستخدمه الرؤساء كمبرر للهجمات العسكرية منذ 18 عاماً. وعبّر المشرعون عن مخاوف لديهم من أن يصدر ترامب أمراً بمهاجمة طهران، يأتي ذلك بعد أن أقرت لجنة فرعية في مجلس النواب تعديلاً على مشروع قانون الإنفاق الدفاعي، ما يمهد لإلغاء قانون التفويض باستخدام القوة.
في ذات السياق كشفت صحيفة (واشنطن بوست) أن ترامب منزعج مما وصفها بـ(خطط حربية) يرسمها صقور إدارته وتحديداً (بومبيو وبولتون) لجر أميركا إلى حرب تناقض وعوده الانسحابية من الحروب، وقالت الصحيفة إن اجتماعاً عقده ترامب حول إيران سلط الضوء على (تكاليف الحرب مع إيران).
هذا الانقسام داخل الولايات المتحدة تزامن مع استطلاع للرأي لمؤسستي (رويترز) و(إبسوس) كشفت فيه أن 60% من الأميركيين يرون أن الولايات المتحدة يجب ألا تشن هجوماً استباقياً على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مقابل 12% فقط يؤيدون هجوماً من هذا القبيل. في الوقت نفسه أظهر الاستطلاع أن 61% من الأميركيين لا يزالون يؤيدون الاتفاق النووي، وأن 39% يؤيدون سياسة دونالد ترامب تجاه طهران، مقابل 49% غير راضين عن أسلوب معالجة ترامب العلاقات مع إيران، حيث أبدى 31% استياءً شديداً. وبيّن الاستطلاع أن 51% من البالغين لديهم شعور بأن بلدهم ستخوض حرباً مع إيران خلال السنوات القليلة المقبلة.
في المقابل بدى التحضير الإيراني لأي هجوم أو عدوان حاضراً وبقوة، سواء بلغة السياسة أم بلغة العسكر، في ظل معلومات متواترة عن محاولات غربية وعربية للوساطة لحل الأزمة وتجاوز خيارات الحرب، وفي هذا الإطار كشف الرئيس الإيراني حسن روحاني عن وساطة عرضها عليه 5 من زعماء العالم خلال العام الماضي للقاء ترامب، وقبلها 8 طلبات تلقاها من الإدارة الأميركية لإجراء مفاوضات ثنائية، في وقت أشار فيه مكتب الرئيس الإيراني إلى أن هناك بعض الدول بدأت تسعى للحفاظ على الاتفاق النووي ومنع حدوث أي اشتباك في المنطقة، إلاّ أنه شدد في الوقت نفسه على أن (وساطة عدد من الدول لا تعني التفاوض مع واشنطن)، بالتزامن مع إعلان البنتاغون أن (واشنطن تريد ردع إيران لا الدخول في حرب معها).
على الأرض قال نائب قائد حرس الثورة الإيراني العميد علي فدوي (إن السفن الأميركية في المنطقة تحت الرصد الكامل من قبل الجيش الإيراني والحرس الثوري)، في وقت نقلت فيه وسائل الإعلام الإيرانية أن (الجيش الإيراني أرسل قطعاً من الأسطول البحري رقم 62، مكون من المدمرة بايندر والبارجة بوشهر والبارجة لاوان)، على أن تقوم بعد انتشارها في المياه الدولية خلال الأيام المقبلة بـمهمات بحرية ودوريات تفقد أمنية وهذا الأمر يدل على الجهوزية العالية لطهران تحسباً لأي مفاجآت.
الموقف الأبرز والأهم في هذه المعمعة لجهة السعي لنزع فتيل الأزمة ومنع الانزلاق نحو الحرب كان ذاك الصادر من العراق والذي جاء على لسان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي حيث قال إن حكومته أعلنت اعتزامها إرسال وفود إلى كل من الولايات المتحدة وإيران، كاشفاً أن بغداد تجري (اتصالات عالية المستوى بين واشنطن وطهران، ونحاول نزع فتيل الأزمة، بالاستفادة من علاقاتنا الدبلوماسية). وأضاف عبد المهدي: (أن العراق في مرحلة نقل الرسائل ورؤيته قريبة جداً من الرؤية الأوروبية لتسوية الأزمة في المنطقة)، لافتاً إلى أن كلاً من الإيرانيين والأميركيين أكدوا عدم الرغبة في خوض الحرب، وشدد على أن (جميع القوى العراقية متفقة على أهمية إيجاد حل للأزمة في المنطقة، ولا يوجد من يريد تأجيج الأوضاع).
فؤاد الوادي

 

التاريخ: الأحد 26-5-2019
رقم العدد : 16986